اقتصاد

قمة ترامب وشي: هدنة تجارية مؤقتة في بوسان أم مجرد تأجيل لصراع أعمق؟

بين مصافحات كوريا وملفات الرقائق وتايوان.. هل ينجح أكبر اقتصادين في العالم في تجنب الفوضى؟

محررة اقتصادية في منصة النيل نيوز، متخصصة في رصد المؤشرات الاقتصادية وصياغتها بلغة واضحة للجمهور

في مدينة بوسان الكورية الجنوبية، تتجه أنظار العالم نحو قمة ترامب وشي الحاسمة التي تجمع الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والصيني شي جين بينغ، في محاولة لرسم ملامح هدنة تجارية تضع حداً لأشهر من الفوضى الاقتصادية التي أربكت الأسواق العالمية.

بدأت المحادثات بأجواء إيجابية عكستها المصافحات واللقطات التذكارية، حيث وصف الرئيس الصيني نظيره الأمريكي بأنه يجب أن يكونا “أصدقاء”، مبدياً استعداده لبناء “علاقات متينة”. في المقابل، رد ترامب بتوقعات متفائلة حول المحادثات، واصفاً شي بأنه “مفاوض قوي” تجمعه به “علاقة ممتازة”، وهي لغة دبلوماسية تهدف لتهيئة الأجواء قبل الخوض في الملفات الشائكة.

ملامح اتفاق يلوح في الأفق

تشير المؤشرات الأولية إلى أن قمة ترامب وشي قد تسفر عن اتفاق مرحلي، يتضمن تراجعاً أمريكياً عن بعض الرسوم الجمركية المفروضة، مقابل خطوات صينية ملموسة، أبرزها خفض الرسوم على مادة الفنتانيل، والتراجع عن القيود التي فرضتها بكين مؤخراً على صادرات المعادن النادرة، والتي تعد شرياناً حيوياً للصناعات التكنولوجية المتقدمة.

وتعكس هذه الخطوات المحتملة رغبة الطرفين في تقديم تنازلات محسوبة لتخفيف الضغط الاقتصادي. فملف واردات الصين من فول الصويا الأمريكي يمثل أولوية لإدارة ترامب، وهو ما لمحت إليه وزارة الخزانة الأمريكية بتأكيدها أن نتائج القمة ستمثل “انتصاراً مدوياً لمزارعينا العظماء”، في إشارة واضحة إلى القاعدة الانتخابية لترامب.

سياق متوتر ورهانات اقتصادية

يأتي هذا اللقاء، وهو الأول منذ عودة ترامب للرئاسة، بعد تسعة أشهر من التوترات الحادة التي شهدت رفع واشنطن الرسوم الجمركية على السلع الصينية إلى 145%، ورد بكين بوقف صادرات المغناطيسات المصنوعة من المعادن النادرة. هذه الإجراءات الانتقامية المتبادلة دفعت الطرفين للبحث عن مخرج عبر مفاوضات كوالالمبور التي مهدت الطريق لقمة بوسان.

تفاعلت الأسواق المالية بإيجابية مع هذه الأجواء، حيث قفز مؤشر “إس آند بي 500” لمستويات قياسية، وسجلت المؤشرات الصينية مكاسب مماثلة، ما يعكس تعطش المستثمرين لأي مؤشر على الاستقرار في العلاقات بين أكبر اقتصادين في العالم. لكن ملفات أخرى لا تزال عالقة، أبرزها قضية رقائق “بلاكويل” التي تصنعها “إنفيديا”، والتي ألمح ترامب إلى أنه سيناقشها مع شي.

تحليل: إدارة صراع لا إنهائه

رغم الأجواء الإيجابية، فإن القمة لا تمثل حلاً جذرياً للنزاع الهيكلي بين القوتين، بل تبدو أقرب إلى إدارة تكتيكية للصراع. كلا الزعيمين يسعى لتحقيق “هدنة” مؤقتة لكسب الوقت وتجنب أضرار اقتصادية أعمق، دون معالجة القضايا الجوهرية المتعلقة بالسيادة التكنولوجية والنفوذ الجيوسياسي. إنها محاولة لتأجيل المعركة، وليس لإنهائها.

بكين تدخل هذه المفاوضات من موقع ثقة أكبر مقارنة بفترة ترامب الأولى. فالتقدم الذي حققته في صناعة الرقائق، ونجاح نماذج الذكاء الاصطناعي مثل “ديب سيك”، بالإضافة إلى ورقة ضغط المعادن النادرة، كلها عوامل عززت موقفها التفاوضي. لم تعد الصين الطرف الذي يتلقى الضربات فقط، بل أصبحت قادرة على فرض شروطها، وهو ما تدركه واشنطن جيداً، بحسب ما تنقله وكالة بلومبرغ.

لذلك، فإن أي اتفاق يتم التوصل إليه في بوسان سيكون على الأرجح إطاراً عاماً لاتفاق مستقبلي، وليس تسوية نهائية. فالملفات الشائكة الأخرى، مثل مستقبل “تيك توك” في أمريكا، وقضية تايوان التي يسعى ترامب لتجنبها، والدعم الصيني لروسيا، تظل قنابل موقوتة قد تعيد إشعال الحرب التجارية في أي لحظة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *