قطاع الطاقة السوري: بصيص أمل في دمشق وتحديات إعادة الإعمار الكبرى
كهرباء دمشق 24 ساعة: هل انتهت الأزمة أم أنها بداية طريق طويل؟

في خطوة لم تكن لتُصدق قبل سنوات قليلة، شهدت العاصمة السورية دمشق عودة التيار الكهربائي على مدار الساعة، للمرة الأولى منذ عام 2011، وهو ما يمثل بصيص أمل لسكان طالما عانوا من ظلام دامس. هذا التحسن، الذي كشف عنه مدير المؤسسة العامة لتوليد الكهرباء، محمد فضيلة، لـ”الشرق”، يأتي في سياق جهود حثيثة لإعادة إحياء قطاع الطاقة السوري المنهك، لكنه لا يخفي حجم التحديات الهائلة التي لا تزال تواجه البلاد.
ورغم هذا الإنجاز الملموس في دمشق وبعض المحافظات، فإن الصورة الكلية لـقطاع الطاقة السوري لا تزال قاتمة بعض الشيء. فالإنتاج الحالي، الذي يبلغ نحو 2400 ميغاواط، لا يمثل سوى أقل من ثلث الاحتياج اليومي المقدر بـ 8 غيغاواط، وهو رقم يكشف عن فجوة هائلة. يرى مراقبون أن استمرار تحسن التغذية واستقرارها في بقية المناطق مرهون بشكل أساسي باستكمال تأهيل وحدات التوليد المتضررة وتأمين إمدادات مستقرة من الغاز والفيول، وهو ما يضع عبئاً كبيراً على كاهل الحكومة في ظل العقوبات والظروف الاقتصادية الصعبة.
لقد تفاقمت أزمة الكهرباء في سوريا بشكل دراماتيكي منذ عام 2016، حيث أدت سنوات الصراع إلى خروج عدد كبير من محطات التوليد عن الخدمة، إما بفعل التدمير أو بسبب غياب الصيانة الضرورية. بلغت الأزمة ذروتها بين عامي 2023 و2024، حيث انخفضت ساعات التغذية الكهربائية في بعض المناطق إلى أربع ساعات متقطعة يوميًا، ما أثر بشكل مباشر على حياة المواطنين والاقتصاد. تسعى دمشق اليوم لإعادة تأهيل هذا القطاع الحيوي ضمن مشروع طموح تُقدر قيمته بنحو 7 مليارات دولار، في محاولة لانتشال البلاد من ظلام دامس طال أمده.
جهود صيانة
تستهلك سوريا يوميًا كميات ضخمة من الطاقة، تقدر بنحو 5200 طن من الفيول وما يقارب 9 ملايين متر مكعب من الغاز، مما يبرز حجم التحدي في تأمين هذه الموارد. في سياق متصل، تُجرى حاليًا عمليات صيانة مكثفة في وحدات بمحطات الزارة، وبانياس، وحلب، والناصرية، مع خطط مستقبلية لتشمل محطتي جندر والدير علي. هذه الجهود، التي تستعين أحيانًا بخبرات أجنبية في الاستشارات الفنية، تعكس إدراكًا لأهمية البنية التحتية للطاقة كركيزة أساسية لأي تعافٍ اقتصادي، وهي جهود لا تتوقف رغم الصعاب.
كلفة باهظة
يُعدّ قطاع الطاقة السوري من أبرز التحديات التي تواجه البلاد، فبحسب خالد أبو دي، المدير العام لمؤسسة نقل وتوزيع الكهرباء، فإن سوريا تحتاج إلى نحو خمس سنوات لتحقيق استقرار كامل في التيار الكهربائي، مشيرًا إلى عجز يتجاوز 80% من إجمالي الاحتياجات الحالية. هذا التقدير يعكس عمق الأزمة وضرورة حلول جذرية. تُقدر كلفة إعادة تأهيل القطاع بأكمله بنحو 40 مليار دولار، منها نصف مليار دولار مخصصة لتطوير شبكات النقل والتحويل التي تعرضت لأضرار جسيمة، وهو رقم مهول يعكس حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية.
في هذا السياق، تبرز أهمية المنح الدولية، حيث تمت الموافقة على منحة من البنك الدولي بقيمة 146 مليون دولار، ستُستخدم لإعادة تأهيل خطوط النقل ومحطات التحويل المتضررة. هذه المنحة، وإن كانت لا تمثل سوى جزء يسير من الاحتياجات الكلية، إلا أنها تُعد خطوة مهمة نحو استعادة جزء من البنية التحتية الحيوية. يرى محللون أن استقطاب المزيد من الدعم الدولي سيبقى مرهونًا بالتطورات السياسية والاقتصادية، وهو ما يجعل مسار التعافي طويلًا وشاقًا، لكنه ليس مستحيلًا.
بين بصيص أمل في دمشق وتحديات جسيمة تواجه قطاع الطاقة السوري، تتكشف صورة معقدة لبلد يسعى للنهوض من رماد الصراع. فبينما يمثل توفير الكهرباء على مدار الساعة للعاصمة إنجازًا يُحتفى به، تبقى الحاجة ماسة إلى استثمارات ضخمة وجهود متواصلة لتأمين الطاقة لبقية المناطق. إن الطريق نحو استقرار كامل للتيار الكهربائي لا يزال طويلًا ومليئًا بالعقبات، لكن كل خطوة، مهما كانت صغيرة، تُقرب سوريا من مستقبل أكثر إشراقًا.









