كيف تبتلع بكين مفاصل السيارات الأوروبية بصفقات سرية تحت الرادار؟
موردو قطع الغيار في ألمانيا وفرنسا يسقطون تدريجياً في قبضة الاستثمارات الصينية الخفية للإفلات من جمارك بروكسل

تتسلل الشركات الصينية بهدوء لإحكام قبضتها على مفاصل سلسلة التوريد الخاصة بصناعة السيارات الأوروبية عبر عمليات استحواذ صغيرة ومستهدفة تفلت من الرقابة الحكومية، مما يثير قلقاً متزايداً في بروكسل. ووفقاً لبيانات صادرة عن مؤسسة “روديوم” للأبحاث، استثمرت الشركات الصينية في أكثر من 130 شركة لتصنيع قطع غيار السيارات في أوروبا منذ منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وتركزت هذه الاستثمارات بشكل رئيسي في ألمانيا وفرنسا اللتين تمثلان قلعتين لصناعة السيارات في القارة. وتأتي هذه التحركات الصينية في وقت يفرض فيه الاتحاد الأوروبي رسوماً جمركية إضافية على السيارات الكهربائية المستوردة من الصين بعد تحقيقات مكثفة أجرتها المفوضية الأوروبية بشأن الدعم الحكومي غير القانوني الذي تتلقاه تلك المصانع.
لتجنب إثارة التدخل التنظيمي، ركزت الشركات الصينية على صفقات تقل قيمتها عن 100 مليون يورو، وهو ما يمنع تفعيل آليات التدقيق الصارمة في أوروبا. وأوضح أرماند ماير، كبير محللي الأبحاث في “روديوم”، أن استمرار هذه الاستحواذات منخفضة القيمة يثير قلق صناع السياسات الأوروبيين لأنها توفر للشركات الصينية قواعد إنتاجية سريعة تمنحها صفة “صنع في الاتحاد الأوروبي” دون الحاجة لبناء مصانع من الصفر، مما يفرغ قواعد المحتوى المحلي الجديدة من مضمونها.
حجم الملكية الصينية الفعلي في قلب الصناعة الأوروبية يبدو أكبر بكثير مما هو معلن رسمياً. وكشف فارلي ميسكو، الرئيس التنفيذي لشركة الاستخبارات المؤسسية “ساياري”، أن نحو 80% من الأصول الألمانية التي تسيطر عليها جهات صينية يتم الاحتفاظ بها عبر وسيط خارجي واحد على الأقل، أو من خلال شركات قابضة مسجلة في ألمانيا وتحمل أسماء محلية مضللة، مما يصعب عملية تتبع تدفقات رأس المال الحكومي الصيني.
يتزامن هذا الاختراق الهادئ مع أزمة هيكلية طاحنة تعصف بقطاع قطع الغيار الأوروبي الذي يوظف نحو 1.7 مليون شخص بشكل مباشر. وبحسب بيانات الجمعية الأوروبية لموردي السيارات “كليبا”، ألغت شركات عملاقة مثل بوش وفاليو وفورفيا أكثر من 100 ألف وظيفة خلال العامين الماضيين بسبب الضغوط المالية وتراجع هوامش الربح، مما جعل هذه الشركات المتعثرة فريسة سهلة ومغرية للاستحواذ من قبل المستثمرين الصينيين الباحثين عن التكنولوجيا الغربية الجاهزة.
التغلغل الصيني المتزايد بات يهدد وصول الشركات الأوروبية إلى الأسواق الدولية الأخرى، وخاصة السوق الأمريكية التي تفرض قيوداً مشددة على البرمجيات والأجهزة المدعومة من الصين. وتعد شركة “بيريللي” الإيطالية لصناعة الإطارات نموذجاً بارزاً لهذا الصراع، حيث تحاول الحكومة الإيطالية استخدام صلاحيات “القدرة الذهبية” للحد من نفوذ شركة “سينوكيم” الصينية التي تملك حصة رئيسية فيها، خوفاً من تعرض منتجات الشركة للحظر في الولايات المتحدة بسبب هذه الشراكة.
على الجانب الآخر، يرى بعض الرؤساء التنفيذيين في أوروبا أن الاستسلام لرأس المال الصيني يمثل الخيار الوحيد للبقاء على قيد الحياة وتجنب الإفلاس. وعندما وافقت مجموعة “لوكس شير” الصينية للإلكترونيات على شراء شركة “ليوني” الألمانية المتعثرة لكابلات السيارات مقابل 525 مليون يورو، حظيت الصفقة بدعم مباشر من عملاء الشركة الأوروبيين. وقال كلاوس رينيربرغر، الرئيس التنفيذي لشركة “ليوني”، إن الموردين الأوروبيين الذين يرفضون العمل مع الصينيين لن يتمكنوا من مواكبة وتيرة التغيير التكنولوجي المتسارع.
التحول نحو تبني الوجود الصيني بدأ يمتد حتى إلى كبرى الشركات الهندسية في القارة التي اختارت التنسيق المباشر بدلاً من المواجهة الحمائية. وأكد كريستوف هارتونغ، عضو مجلس إدارة شركة بوش موبيليتي، أن الشركة تجري مناقشات مستمرة مع شركائها الصينيين لمساعدتهم على النمو والتوسع عالمياً، في اعتراف ضمني بأن دمج التكنولوجيا الصينية بات ضرورة حتمية للموردين التقليديين.











