اقتصاد

فلسفة الاقتراض السعودية: الجدعان يرسم بوصلة الإنفاق على المشروعات الكبرى

محررة اقتصادية في منصة النيل نيوز، متخصصة في رصد المؤشرات الاقتصادية وصياغتها بلغة واضحة للجمهور

في رسالة واضحة لأسواق المال العالمية، كشف وزير المالية السعودي محمد الجدعان عن استراتيجية المملكة في الاقتراض، مؤكداً أنها موجهة حصراً لتمويل مشروعات استراتيجية منتجة. تصريحات الجدعان، التي جاءت من واشنطن، ترسم ملامح مرحلة جديدة من الإدارة المالية للمشروعات الكبرى، قائمة على المرونة والمصلحة العامة كأولوية قصوى.

من قلب واشنطن، وعلى هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين، حدد وزير المالية السعودي محمد الجدعان ملامح السياسة المالية للمملكة، موضحاً أن سردية الاستدانة في بلاده ترتكز على هدف واحد: تمويل المشروعات التنموية الاستراتيجية التي تعزز الناتج المحلي وتخلق فرصاً حقيقية. هذا النهج يضع حداً للتكهنات ويرسل إشارة ثقة للمستثمرين حول العالم بشأن الاقتصاد السعودي.

خلال جلسة نقاشية نظمها “المجلس الأطلسي”، أكد الجدعان أن المملكة تقترض لتمويل برامج منتجة تولد استثمارات ووظائف، مستشهداً بمعادلة اقتصادية بسيطة: “إذا تمكنت من تحقيق نمو غير نفطي بنسبة 4.8% بتكلفة اقتراض أقل، فأنت على الطريق الصحيح”. هذه السياسة تضمن أن الاقتراض السعودي يتحول إلى أصول منتجة تخدم الأجيال الحالية والمستقبلية، وليس مجرد عبء مالي.

بوصلة المصلحة العامة

تستند هذه الرؤية المالية إلى توجيهات مباشرة من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي شدد على أن المصلحة العامة هي “البوصلة العليا” التي توجه مسار تنفيذ برامج المملكة. وأشار الجدعان إلى أن الحكومة مستعدة لإجراء “أي تعديل جذري” أو حتى “إلغاء كامل” لأي برنامج إذا ثبت أنه لا يخدم هذا الهدف الأسمى، في إشارة إلى غياب أي تردد في مراجعة خطط المشروعات الكبرى ضمن رؤية 2030.

ورداً على ما يتردد حول تعديل الإنفاق الحكومي السعودي على المشاريع الضخمة، أوضح الجدعان أن الرسالة كانت واضحة: “يجب أن نتجنب تماماً أي مكابرة”. وأكد أن الإنفاق يجري بسخاء على قطاعات حيوية مثل السياحة في السعودية والصناعة والتكنولوجيا، بينما يتم تسريع وتيرة العمل في قطاعات أخرى كالخدمات اللوجستية لدعمها، ما يعكس إدارة ديناميكية للموارد وليس تقليصاً عشوائياً.

شهادة دولية ومرونة استراتيجية

هذه المرونة حظيت بإشادة مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، التي اعتبرت إعادة تقييم السعودية لخطط الإنفاق “ممارسة ضرورية للمالية العامة” تزيد من ثقة أسواق المال. وأضافت أن الأسواق تكافئ الدول المنضبطة مالياً، وهو ما يفسر احتفاظ المملكة بنسبة ديون منخفضة جداً مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي بين دول مجموعة العشرين.

وتترجم هذه السياسات إلى نتائج ملموسة؛ فقد رفع صندوق النقد توقعاته لنمو الاقتصاد السعودي إلى 4% لعامي 2025 و2026، مدفوعاً بالأنشطة غير النفطية التي باتت تساهم بأكثر من 55.6% من الناتج المحلي. كما نجحت المملكة في تحقيق مستهدف استقبال 100 مليون سائح قبل موعده بسنوات، وتحويل العجز في ميزان الخدمات إلى فائض، مما يعزز جهود تنويع الاقتصاد.

انتقائية في عصر الذكاء الاصطناعي

فيما يتعلق بمجال الذكاء الاصطناعي، كشف الجدعان عن نهج سعودي حذر ومدروس. فبينما تؤكد المملكة على أهمية عدم التخلف عن الركب التكنولوجي، فإنها تتجنب “الانسياق وراء الضجيج الإعلامي”. وأوضح أن الاستراتيجية تقوم على “الانتقائية الشديدة” في تحديد أجزاء سلسلة القيمة التي تمتلك فيها المملكة ميزة تنافسية حقيقية، ومضاعفة الجهود فيها لتعزيز الاستثمار في السعودية.

وحذر الجدعان من أن الذكاء الاصطناعي قد يزيد الفجوة بين الدول إذا لم تتم إدارته بحذر على المستوى العالمي، لافتاً إلى تحديات عملية هائلة مثل الطلب الكبير على الطاقة، والذي يضع شبكات الكهرباء في العديد من دول العالم تحت ضغط هائل قد يعيق التقدم المنشود في هذا القطاع.

رؤية عالمية لأزمة الديون

وبصفته رئيساً لـاللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية، تطرق الجدعان إلى أزمة الديون السيادية العالمية، معتبراً أن المجتمع الدولي لا يبذل جهداً كافياً لمواجهة هذا التحدي. وأشار إلى أن “الإطار المشترك” لإعادة هيكلة الديون هو الآلية الوحيدة المتاحة، داعياً إلى إضفاء طابع مؤسسي أكثر شفافية ووضوحاً على هذه العملية.

وشدد الجدعان على التكلفة البشرية للديون المرتفعة، حيث يعيش 3.4 مليار شخص في بلدان تنفق على خدمة الدين أكثر مما تنفقه على التعليم والصحة. وأكد أن الحل لا يكمن فقط في تقليص الديون، بل في “استخدامها بحكمة” لتحويلها إلى استثمارات ذكية في البنية التحتية ورأس المال البشري، بدلاً من أن تكون “ضريبة تُفرَض على الجيل المقبل”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *