اقتصاد

غربلة القطاع المصرفي العراقي: 5 بنوك تواجه الخروج من السوق

صحفي اقتصادي في منصة النيل نيوز، متخصص في متابعة أسواق المال والتقارير الاقتصادية المحلية والعالمية

في خطوة تعكس جدية بغداد في إعادة هيكلة قطاعها المالي، يواجه ما يصل إلى 5 بنوك عراقية خطر الخروج من السوق. يأتي هذا التحرك في إطار خطة إصلاح واسعة النطاق يشرف عليها البنك المركزي العراقي، وتهدف إلى فرض معايير دولية صارمة لتعزيز كفاءة وشفافية القطاع المصرفي العراقي.

ثلاثة مسارات.. والخروج هو الخيار الأخير

كشف عمار العيثاوي، نائب محافظ البنك المركزي، أن عملية هيكلة المصارف الخاصة وضعت البنوك أمام ثلاثة خيارات لا رابع لها: البقاء مع الالتزام الكامل بالمعايير الجديدة، أو الاندماج لتكوين كيانات أقوى، أو الخروج الطوعي من السوق. وأوضح العيثاوي، على هامش اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين، أن معظم البنوك اختارت البقاء أو الاندماج، بينما فضلت “قلة قليلة لا تتعدى 5 مصارف” المغادرة تلقائياً، في إشارة ضمنية لعدم قدرتها على مواكبة متطلبات المرحلة الجديدة.

هذا التوجه لا يمثل أزمة بقدر ما هو عملية “فلترة” ضرورية لقطاع عانى طويلاً من تحديات هيكلية، خاصة فيما يتعلق بالامتثال والحوكمة. فالمعايير التي وصفها العيثاوي بـ”الصارمة والواضحة” تهدف إلى بناء مؤسسات مالية قوية تكون قاطرة لنمو الاقتصاد العراقي، وليس مجرد كيانات قائمة على الورق. وتخضع البنوك لتقييم مرحلي كل 6 إلى 12 شهراً على مدار الخطة الممتدة لثلاث سنوات.

خطة إصلاح بمعايير دولية

انطلقت خطة إصلاح المصارف في أبريل الماضي بالتعاون مع شركة “أوليفر وايمان” الأمريكية، وهو ما يعكس رغبة عراقية في الاستعانة بخبرات دولية لإعادة بناء الثقة. ترتكز الخطة على 5 محاور رئيسية تشمل 25 معياراً، مع تركيز خاص على الحوكمة، ونماذج الأعمال المستدامة، والامتثال. وتأتي هذه الإجراءات في سياق جهود أوسع لتعزيز سمعة القطاع المصرفي بعد إدراج الولايات المتحدة 14 مصرفاً عراقياً على القائمة السوداء للاشتباه في تورطها بجرائم مالية.

تشمل الإجراءات تحديد سقف للملكية لمنع السيطرة المفرطة، وفحص المساهمين الرئيسيين، وإلزام البنوك بالحفاظ على نسب كفاية رأس المال والسيولة. الأهم من ذلك، تشدد الخطة على مواكبة الممارسات العالمية في مجال الامتثال، بما في ذلك تطبيق تدابير شاملة لـمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، لحماية القطاع من أي استغلال في أنشطة غير مشروعة.

نحو بنوك رقمية وشمول مالي

تزامناً مع عملية الهيكلة، يتجه العراق نحو تبني الخدمات المصرفية الحديثة. تلقى البنك المركزي أكثر من 80 طلباً لترخيص بنوك رقمية، ويعتزم منح ما يصل إلى 10 تراخيص في المرحلة الأولى. وتخضع الطلبات لعملية تدقيق مكثفة، مع إعطاء الأفضلية للكيانات التي تمتلك نماذج أعمال واضحة وخبرات مثبتة، خاصة تلك التي لديها شراكات أجنبية قادرة على نقل التكنولوجيا والمعرفة للسوق العراقية.

رغم أن ثقافة التعامل النقدي (الكاش) لا تزال مهيمنة ومعدلات الشمول المالي منخفضة مقارنة بدول الجوار، إلا أن هناك مؤشرات إيجابية. فقد شهد استخدام أدوات الدفع الإلكتروني نمواً تجاوز 20% خلال العامين الماضيين، مدفوعاً بقرارات حكومية ألزمت المؤسسات بتحصيل الرسوم إلكترونياً، مما شجع المواطنين على امتلاك بطاقات ومحافظ إلكترونية. هذه الخطوات، وإن كانت أولية، تمثل أساساً لتحديث التعاملات المالية وتقليل الاعتماد على النقد، وهو هدف استراتيجي يخدم خطط مكافحة غسل الأموال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *