طفرة العقارات الصناعية السعودية: إيجارات قياسية رغم التوسع الهائل

يشهد قطاع العقارات الصناعية واللوجستية في السعودية طفرة استثنائية، حيث تتسابق الشركات المحلية والعالمية على حجز مساحات تخزين حديثة. المفارقة تكمن في أن هذا الطلب المتزايد يدفع الإيجارات إلى مستويات قياسية، رغم ضخ ملايين الأمتار المربعة الجديدة في سوق المستودعات.
كشف تقرير حديث لشركة “نايت فرانك” للاستشارات العقارية عن إضافة المطورين نحو 1.3 مليون متر مربع من مساحات التخزين الجديدة خلال النصف الأول من عام 2025. وعلى الرغم من هذا النمو الكبير في المعروض، قفز متوسط الإيجارات الصناعية في المدن الرئيسية كالرياض وجدة والدمام، مما يعكس فجوة واضحة بين العرض والطلب، خاصة على المرافق عالية الجودة.
هذا الزخم لا يأتي من فراغ، بل يمثل انعكاسًا مباشرًا للاستراتيجية الوطنية الطموحة لتحويل المملكة إلى مركز لوجستي عالمي محوري يربط قارات العالم. وتستند هذه الرؤية إلى استثمارات ضخمة مخطط لها في قطاع النقل والخدمات اللوجستية بقيمة 1.6 تريليون ريال حتى عام 2034، وهو ما يغذي شهية المستثمرين ويخلق طلبًا مستدامًا على البنية التحتية اللوجستية.
الرياض تقود المشهد
تتربع العاصمة الرياض على عرش المشهد، حيث رسخت مكانتها كمركز رئيسي للخدمات اللوجستية في المملكة. وخلال الأشهر الستة الأولى من العام، نمت مساحات التخزين بها بنسبة 3.5% لتصل إلى 28.9 مليون متر مربع، بينما سجلت الإيجارات الصناعية نموًا سنويًا بنسبة 16%، مع وصول نسبة الإشغال الإجمالية إلى 98%، وهو ما يؤكد حجم الطلب الهائل الذي يفوق قدرة السوق الحالية.
في السياق ذاته، شهدت مدينة جدة، بوابة المملكة على البحر الأحمر، زيادة في معروض المستودعات بنسبة 1.4% ليبلغ 20.1 مليون متر مربع، مع ارتفاع الإيجارات بنسبة 8%. أما في الدمام، المركز الصناعي الحيوي، فقد زادت مساحة المستودعات بنسبة 0.7% لتصل إلى 8 ملايين متر مربع، مصحوبة بزيادة في الإيجارات بنسبة 9%.
تحولات نوعية في خريطة الطلب
الأمر لا يقتصر على زيادة حجم الطلب فحسب، بل يمتد إلى تحولات نوعية في طبيعته. يتزايد الإقبال بشكل لافت على المرافق المتخصصة مثل مستودعات التخزين البارد، مدفوعًا بنمو قطاعات حيوية مثل الأدوية والأغذية. كما برز طلب قوي على مراكز البيانات الضخمة مع توسع عمالقة التكنولوجيا مثل “جوجل” و”أوراكل” و”هواوي” في السوق السعودية.
تتلاقى هذه الاتجاهات بشكل مباشر مع أهداف رؤية 2030، التي تضع تحقيق الأمن الغذائي وتوطين الصناعات الدوائية على رأس أولوياتها. كما أن طموح المملكة للتحول إلى مركز إقليمي للذكاء الاصطناعي يتطلب بنية تحتية رقمية قوية، وهو ما يفسر السباق المحموم على بناء مراكز بيانات متطورة، مما يعزز من عمق وقوة سوق العقارات الصناعية في السعودية.









