صفر كالسيوم في الشرايين: مؤشر جديد على صحة الجسم وطول العمر
دراسة أمريكية تكشف أن غياب تكلس الشرايين لا يقي من أمراض القلب فحسب، بل قد يكون مفتاحًا لحياة أطول وأكثر صحة.

في كشف طبي قد يعيد تشكيل فهمنا لمؤشرات الصحة العامة، ربطت دراسة أمريكية حديثة بين غياب ترسبات الكالسيوم في الشرايين التاجية وبين انخفاض ملحوظ في معدلات الوفاة، ليس فقط بسبب أمراض القلب، بل لمختلف الأسباب الأخرى. تتجاوز هذه النتائج، التي عُرضت في الجلسات العلمية لـجمعية القلب الأميركية، المفهوم التقليدي الذي يحصر خطر الكالسيوم التاجي في أمراض القلب وحدها، لتكشف عن ارتباط أعمق بين صحة الأوعية الدموية ومصير الجسم بأكمله.
ما وراء صحة القلب
أُجريت الدراسة على قاعدة بيانات ضخمة شملت أكثر من 40 ألف مريض، وأظهرت أن الأفراد الذين سجلوا نتيجة “صفر” في اختبار الكالسيوم التاجي لم يتمتعوا فقط بشرايين نظيفة، بل كانوا أقل عرضة للوفاة بمعدل يتراوح بين ضعفين إلى ثلاثة أضعاف مقارنة بمن لديهم أي مستوى من التكلس. المفاجأة كانت أن ثلاثة أرباع الوفيات المسجلة لدى مجموعة التكلس لم تكن ناجمة عن أسباب قلبية، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً: كيف يؤثر تصلب شرايين القلب على أعضاء الجسم الأخرى؟
بحسب محللين، فإن تراكم اللويحات الدهنية المتكلسة، أو ما يُعرف بـ”التصلب العصيدي”، ليس مجرد مشكلة موضعية في القلب. يوضح الدكتور أحمد المصري، استشاري أمراض القلب والباحث في الصحة العامة، أن “هذه النتائج تدفعنا للنظر إلى اختبار الكالسيوم التاجي ليس كأداة تشخيصية لأمراض القلب فحسب، بل كمرآة تعكس حالة الالتهاب المزمن والشيخوخة البيولوجية في الجسم كله. فالعمليات التي تؤدي إلى تكلس الشرايين التاجية قد تحدث بالتوازي في شرايين الدماغ والكلى، مما يمهد لأمراض أخرى.”
مؤشر للشيخوخة البيولوجية؟
تفتح الدراسة الباب أمام اعتبار فحص الكالسيوم التاجي مؤشراً للشيخوخة الحيوية. فالأشخاص الذين تظل شرايينهم خالية من التكلس مع تقدم العمر قد يمتلكون نظاماً مناعياً وأيضياً أكثر كفاءة، وقدرة أعلى على مقاومة العمليات الالتهابية التي تعد أساساً لأمراض مزمنة كالسرطان والسكري. يُرجّح الباحثون أن وجود التصلب الوعائي قد يضعف “المراقبة المناعية”، وهي قدرة الجسم على اكتشاف الخلايا الشاذة وتدميرها، مما يفسر ارتفاع الوفيات غير القلبية.
دلالات عملية وتوصيات مستقبلية
على ضوء هذه النتائج، يوصي الخبراء بتوسيع نطاق استخدام فحص الكالسيوم التاجي كأداة للتقييم الصحي الشامل، وليس فقط للمرضى المعرضين لخطر أمراض القلب. فمعرفة نتيجة الفحص قد تحفز الأفراد على تبني أنماط حياة صحية بشكل مبكر، حتى في غياب الأعراض التقليدية. ويعتزم الفريق البحثي تحليل أسباب الوفيات غير القلبية بشكل أكثر تفصيلاً لتحديد ما إذا كانت مرتبطة بالسرطان أو أمراض الكلى أو غيرها، بهدف فهم الآلية البيولوجية الدقيقة وراء هذا الارتباط.
في المحصلة، ترسخ الدراسة فكرة أن القلب ليس مجرد عضو معزول، بل هو نافذة على الحالة الصحية العامة للجسم. غياب الكالسيوم من الشرايين التاجية لم يعد مجرد علامة على قلب سليم، بل أصبح مؤشراً قوياً على جسد أكثر مقاومة للشيخوخة والأمراض المزمنة، مما يفتح آفاقاً جديدة للطب الوقائي وتقييم المخاطر الصحية على المدى الطويل.









