اقتصاد

صعود الدولار المفاجئ يربك الأسواق ويغير قواعد اللعبة

صحفية في منصة النيل نيوز بقسم الاقتصاد، تهتم بتغطية قضايا التنمية والتجارة المحلية والعربية

في تحول مفاجئ، عكس الدولار الأمريكي مساره الهابط الذي سيطر على تداولات العام، مسجلاً أعلى مستوياته في شهرين. هذا صعود الدولار يربك حسابات كبار المستثمرين الذين راهنوا على تراجعه، ويفتح الباب أمام تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي والأسواق الناشئة.

كان الرهان ضد الدولار هو التجارة الأبرز هذا العام في سوق الصرف الأجنبية، الذي يبلغ حجم تداولاته اليومية 9.6 تريليون دولار، لكن هذا التوجه بدأ يفقد زخمه بوضوح. فعلى الرغم من استمرار إغلاق الحكومة الأمريكية، ارتفعت العملة الأمريكية مدفوعة بتطورات خارجية، حيث زادت صناديق التحوط رهاناتها على استمرار تعافي الدولار حتى نهاية العام.

تحولات خارجية تدعم العملة الأمريكية

أسهمت التطورات الخارجية بشكل رئيسي في هذا التحول، إذ تراجع كل من اليورو والين الياباني بشكل ملحوظ هذا الشهر، مما منح الدولار تفوقًا نسبيًا. في غضون ذلك، ساهمت تصريحات مسؤولين في مجلس الاحتياطي الفيدرالي تدعو إلى التريث في خفض إضافي لأسعار الفائدة، في تعزيز جاذبية العملة الأمريكية، وكلما طال أمد هذا الصعود، ازدادت خسائر المراهنين على تراجعه، ومن بينهم بنوك استثمارية كبرى مثل “غولدمان ساكس” و”جيه بي مورغان”.

تداعيات عالمية محتملة

إذا استمر هذا الاتجاه الصعودي للدولار، فقد تكون له تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي، منها تعقيد مهمة البنوك المركزية الأخرى في تيسير السياسة النقدية، وزيادة تكلفة السلع الأساسية، وارتفاع أعباء الديون المقوّمة بالدولار. هذا الانتعاش قد ينسف بعضًا من أكثر الرهانات رواجًا، لا سيما التفاؤل بأسهم وسندات الأسواق الناشئة، ويضغط على أسهم الشركات الأمريكية المصدّرة.

يأتي هذا التحول بعد أن سجل مؤشر “بلومبرغ” للدولار ارتفاعًا بنحو 2% منذ منتصف العام، محققًا في أحدث أسبوع أفضل أداء أسبوعي له منذ نوفمبر. هذا التعافي يأتي بعد أن شهدت العملة في النصف الأول من 2025 أكبر تراجع لها منذ عقود، مدفوعًا بتوقعات بأن التضخم سيظل تحت السيطرة، مما يفسح المجال أمام الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة.

تقلص الرهانات ضد الدولار

تُظهر أحدث البيانات أن صناديق التحوط ومديري الأصول، رغم احتفاظهم بمراكز بيع للدولار، قلصوا هذه الرهانات بشكل كبير عن ذروتها. ووفقًا لخبراء، فإن هذه الصناديق تعزز الآن رهاناتها الصعودية عبر عقود الخيارات حتى نهاية العام. كما أظهر استطلاع لـ”بنك أوف أميركا” تراجع ثقة المستثمرين في بيع الدولار إلى أدنى مستوياتها منذ أبريل.

هذا التحول في المعنويات يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الاقتصاد الأمريكي لا يزال يتمتع بمتانة نسبية، وأن الأسواق ربما بالغت في تسعير دورة تخفيضات حادة لأسعار الفائدة. وعلى عكس المخاوف السابقة، لم يُظهر المستثمرون الدوليون عزوفًا ملحوظًا عن الأصول الأمريكية، حيث حافظت مزادات سندات الخزانة على طلب خارجي قوي.

المستقبل مرهون بخطوات الفيدرالي

يبقى المسار المستقبلي للدولار مفتوحًا على جميع الاحتمالات، لكن خطوات الاحتياطي الفيدرالي القادمة ستلعب الدور الأبرز. فبينما تسعّر الأسواق خفضين للفائدة قبل نهاية العام، تشير تصريحات أعضاء المجلس إلى أن هذا المسار لم يُحسم بعد، خاصة مع استمرار تحدي التضخم رغم بوادر تباطؤ سوق العمل التي يعقّد إغلاق الحكومة الأمريكية قراءة بياناتها.

في المقابل، يستمد الدولار قوته من ضعف العملات الرئيسية الأخرى. ففي اليابان، تراجعت الثقة بالين مع احتمالية تولي زعيمة جديدة للحزب الحاكم يُنظر إلى سياساتها على أنها تغذي التضخم. وفي فرنسا، لا تزال الأزمة السياسية تشكل عبئًا على اليورو. وكما يقول المثل القديم في وول ستريت، يبقى الدولار “أنظف قميص في سلة الغسيل المتسخ”، مما يجعله الملاذ المفضل في ظل الضغوط التي تواجه اليورو والين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *