عرب وعالم

خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة: سخرية إسرائيلية وعزلة دولية تكشف حقيقة الحرب في غزة

لم يكن مجرد خطاب دبلوماسي عادي، بل تحول مشهد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وهو يلقي كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى مادة دسمة للسخرية والانتقاد اللاذع في الإعلام الإسرائيلي. فبينما كانت وفود عشرات الدول تنسحب احتجاجًا على حرب غزة المستمرة، كان نتنياهو يواجه عزلة سياسية لم تعد خافية على أحد.

هذا الخطاب، الذي امتد لنحو 40 دقيقة، كان من المفترض أن يرسم ملامح رؤية إسرائيل للعالم، لكنه في الحقيقة كشف عن حجم المأزق الذي يعيشه نتنياهو وبلاده. الصحف العبرية لم تتردد في وصف ما حدث بأنه تجسيد حي لعزلته السياسية وتكرار لحيله القديمة التي فقدت بريقها، ليصبح ما تبقى منه مجرد صور ومقاطع فيديو أثارت السخرية أكثر مما أقنعت.


“ساحر عجوز فقد لمسته”: هآرتس تفضح العزلة الدولية

خصصت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، المعروفة بنبرتها النقدية، مساحة واسعة لتحليل مشهد انسحاب ممثلي الدول قبل بدء خطاب نتنياهو. ونشرت الصحيفة مقالًا بعنوان لافت: “لن يتذكر أحد من خطابه في الأمم المتحدة شيئًا سوى المزحة الساخرة التي سبقته”، في إشارة واضحة إلى فشل الخطاب في تحقيق أي تأثير إيجابي.

الصحيفة رأت أن ظهور نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة لم يعكس سوى الهاوية التي وصلت إليها العزلة الدولية لإسرائيل ورئيس حكومتها. وأشارت إلى أن نتنياهو وجه رسالته لجمهور محدود جدًا داخل القاعة، وللإسرائيليين بالدرجة الأولى، بل وحتى لسكان غزة عبر مكبرات الصوت، مؤكدًا بذلك بشكل غير مباشر أنه لا ينوي إنهاء الحرب الدائرة.

وفي وصف قاسٍ، اعتبرت “هآرتس” نتنياهو “ساحرًا عجوزًا فقد لمسته ولم يعد يفهم روح العصر”. وأضافت أنه أخرج كل الحيل القديمة التي اعتاد استخدامها في خطاباته السابقة من منصة الأمم المتحدة: من الورق المقوى المألوف والعلامة الأبدية، إلى حيل جديدة وصفتها بـ”المثيرة للاشمئزاز”.

ومن هذه الحيل، “الاختبار” الغبي الذي صرخ الحاضرون بإجاباته بصوت عالٍ وكأنهم في روضة أطفال، ورمز الاستجابة السريعة (QR code) الذي وضعه على ياقة سترته. هذا الرمز كان يوجه الجمهور إلى موقع إلكتروني يوثق “الفظائع” التي ارتُكبت في السابع من أكتوبر، في محاولة يائسة لتبرير موقفه.


خطاب مُبالغ فيه.. أخطاء لسان ومخاطبة لجمهورين فقط

لم تتوقف “هآرتس” عند هذا الحد، ففي مقال آخر بعنوان “خطاب نتنياهو المُبالغ فيه في الأمم المتحدة سيُنسى. أما تصرفاته المُضحكة فلن تُنسى”، أكدت أن أداء رئيس الوزراء في الجمعية العامة لم يسلط الضوء إلا على “العزلة العالمية” التي يجد نفسه وبلاده فيها. وذكرت أن نتنياهو تحدث 15 مرة في الجمعية العامة، ولم يصور في أي منها وضع إسرائيل في العالم بهذا السوء الكارثي الذي ظهر عليه هذه المرة.

وفي تحليل أعمق، أشارت “هآرتس” إلى أن خطاب نتنياهو كان موجهًا لجمهورين رئيسيين فقط: قاعدته اليمينية المتطرفة في إسرائيل، ودونالد ترامب في الولايات المتحدة. فالخطاب، الذي ألقاه في قاعة شبه خالية، كان مليئًا بزلات اللسان، حيث أخطأ في ذكر إيران بدلًا من إسرائيل، والنمسا بدلًا من أستراليا، قبل أن يصحح نفسه بسرعة.

الصحيفة أكدت أن الخطاب كان يتألف بالكامل من نقاط نقاش مُعاد تدويرها “تم تكرارها حتى الغثيان” في الأشهر الأخيرة، ولم يقدم أي تصريحات جديدة حول مستقبل حرب غزة. وهذا يثبت مرة أخرى، بحسب “هآرتس”، أنه “ليس لديه رسالة للعالم وأنه يعتمد كليًا على البيت الأبيض” الأمريكي.


ترامب يسرق الأضواء: قرار غزة في واشنطن لا نيويورك

من جانبها، رأت صحيفة “يديعوت أحرونوت” في مقال نشرته عبر موقعها الإلكتروني “واينت”، أن نتنياهو تحدث في الأمم المتحدة لمدة 41 دقيقة، بينما “ترامب سرق العرض في دقيقة واحدة”. هذا العنوان يلخص ببراعة المشهد الذي شهدته الساحة الدولية.

الصحيفة شددت على أن خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة لم يحدد مستقبل حرب غزة أو مصير الأسرى الإسرائيليين ومصير حركة حماس. وأوضحت أن هذه الأسئلة لن تُحسم في الجمعية العامة، بل في المكتب البيضاوي بواشنطن، حيث من المقرر أن يلتقي رئيس حكومة الاحتلال بالرئيس الأمريكي نهاية سبتمبر الجاري.

ولم تكد الدقائق تمر على انتهاء خطاب نتنياهو، حتى صرح دونالد ترامب للصحفيين بأن اتفاقًا في غزة وشيك. هذا التصريح، بحسب “يديعوت أحرونوت”، هو “الخبر الحقيقي، والعنوان الرئيسي الذي حوّل خطاب نتنياهو بأكمله – سواء أكان رائعًا أم سيئًا – إلى مجرد ضجيج في الخلفية”.


“مجرم حرب و”حثالة”: دعوات إسرائيلية للتخلص من نتنياهو

وقبل يوم واحد من إلقاء الكلمة، نشر موقع “واللا” العبري مقالًا ناريًا بعنوان: “نتنياهو سيتحدث في الأمم المتحدة، والقنوات التلفزيونية الإسرائيلية ستكون الوحيدة المتأثرة”. توقع الموقع أن نتنياهو سيستخدم حيلة إعلامية تتصدر عناوين الصحف الإسرائيلية بشكل خاص.

لكن العالم، بحسب “واللا”، سيتعامل مع الحدث كخطاب لمجرم حرب لم يكلف نفسه عناء تبرير أفعاله أمام المجتمع الدولي. ولم يتردد الموقع في توجيه دعوة صريحة: “علينا، كإسرائيل، أن نضمن أن يكون هذا آخر خطاب لبيبي في الأمم المتحدة”.

وواصل الموقع هجومه اللاذع، واصفًا نتنياهو بأنه “محتال، كاذب، يتصرف كالمجرم، وبناءً على معاملته للأسرى وأحداث السابع من أكتوبر، من المؤكد أنه شخص حثالة”. واختتم المقال بالقول: “إنه آخر شخص ترغبون في أن يكون صديقًا لكم، وأسوأ ممثل لإسرائيل في الوقت الحالي. إنه الإسرائيلي القبيح. بمجرد أن نتخلص منه، سيتحسن وضعنا الدولي”.


خلاصة المشهد: نتنياهو وعزلته في عيون أبناء جلدته

في المحصلة، يظهر المشهد العام لخطاب نتنياهو في الأمم المتحدة، من خلال عدسة الإعلام الإسرائيلي، صورة قاتمة لرئيس وزراء يعيش في عزلة متزايدة. فبين السخرية من أساليبه القديمة، والتأكيد على فشله في التأثير على الرأي العام العالمي، وتصريحات ترامب التي سرقت الأضواء، يبدو أن نتنياهو يواجه تحديات داخلية وخارجية غير مسبوقة، خاصة في ظل استمرار حرب غزة وما خلفته من تداعيات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *