عرب وعالم

حرب أكتوبر 1973: يوم هز العالم وكواليس المواجهة النووية الخفية

صحفي في قسم عرب وعالم، بمنصة النيل نيوز

حرب أكتوبر 1973: يوم هز العالم وكواليس المواجهة النووية الخفية

في ظهيرة السادس من أكتوبر، قبل أكثر من خمسين عامًا، توقف الزمن في إسرائيل. كان يوم “كيبور” أو عيد الغفران، أقدس أيام اليهود، حيث تخلو الشوارع وتصمت الحياة استعدادًا للصلاة والصيام. في هذا الهدوء تحديدًا، دوى صوت الرصاص وانطلقت صيحات “الله أكبر” معلنةً بدء حرب أكتوبر 1973، اللحظة التي قررت فيها مصر وسوريا إعادة كتابة التاريخ.

لم تكن مجرد معركة لاسترداد الأرض التي ضاعت في هزيمة 1967، بل كانت صرخة كرامة عربية هزت العالم. فبعد ست سنوات من الانكسار، حين ضمت إسرائيل سيناء والجولان والضفة الغربية، جاء الرد المصري السوري المباغت ليعيد رسم موازين القوى، ويثبت أن جرح الهزيمة لم يندمل، وأن إرادة النصر لا تموت.

على رقعة شطرنج القوى العظمى

لم تكن الحرب معزولة عن سياقها العالمي، فقد تحولت رمال سيناء وهضاب الجولان إلى ساحة صراع غير مباشر بين قطبي الحرب الباردة. وقفت الولايات المتحدة بكل ثقلها خلف إسرائيل، بينما دعم الاتحاد السوفيتي مصر وسوريا بالسلاح والخبرات. هذا الدعم الأمريكي مكّن إسرائيل من امتصاص الصدمة الأولى والانتقال من الدفاع إلى الهجوم، بل وعبور قناة السويس غربًا.

هنا، وصل التوتر إلى ذروته. تلقى الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون رسالة عاجلة من الزعيم السوفيتي ليونيد بريجنيف، تحذر من تدخل عسكري سوفيتي مباشر لحماية مصر. كانت لحظة فارقة كادت أن تشعل فتيل حرب عالمية ثالثة، ودفعت واشنطن إلى اتخاذ قرار خطير لم يكن في الحسبان.

غضب في لندن.. وأزمة “ديفكون 3”

في خطوة صدمت حلفاءها، أعلنت الولايات المتحدة رفع حالة التأهب النووي إلى الدرجة الثالثة “ديفكون 3″، وهو إجراء يعني وضع كافة القوات، بما فيها النووية، في حالة استعداد قصوى. وكما كشفت وثائق بريطانية رُفعت عنها السرية لاحقًا، فإن هذا القرار أثار غضبًا عارمًا في لندن. شعر رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، إدوارد هيث، أن نيكسون يتصرف بتهور، وربما كان يحاول صرف الأنظار عن فضيحة ووترغيت التي كانت تهز عرشه.

الأخطر من ذلك كان سوء الاتصال؛ فقد علم هيث بالقرار من وكالات الأنباء، بينما حاول وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر التقليل من أهمية الأمر في حديثه مع السفير البريطاني. اعتبرت بريطانيا أن الرد الأمريكي “مبالغ فيه” وغير مبرر عسكريًا، ما كشف عن شرخ عميق في علاقات الحلفاء في أحلك الظروف.

كسر أسطورة الجيش الذي لا يُقهر

على الجانب الإسرائيلي، كانت الصدمة مدوية. يروي إيهود باراك، الذي أصبح رئيسًا للوزراء لاحقًا، كيف كانت الوجوه في غرفة عمليات الجيش الإسرائيلي “شاحبة يعلوها الغبار”. ويضيف: “في ذلك اليوم، ضاع أثر نصر 67 النفسي، وضاع شعور أن الجيش الإسرائيلي لا يُهزم”. لقد نجح الجيش المصري في تحطيم أسطورة التفوق الإسرائيلي المطلق.

لقد أثبتت الحرب أن الدبابات والمدرعات، التي كانت فخر الصناعة العسكرية الإسرائيلية، هشة أمام الصواريخ المضادة للدروع التي استخدمها الجنود المصريون ببراعة. كانت هذه الحرب بمثابة درس عسكري قاسٍ لإسرائيل، مفاده أن عصر الانتصارات السهلة والسريعة قد ولى إلى غير رجعة.

سلاح النفط وإرث ما بعد الحرب

لم يقتصر تأثير نصر أكتوبر على الميدان العسكري، بل امتد ليغير وجه الاقتصاد العالمي. لأول مرة، استخدمت الدول العربية المنتجة للنفط “سلاح النفط”، حيث قررت حظر تصديره للدول الداعمة لإسرائيل. النتيجة كانت ارتفاعًا جنونيًا في أسعار الوقود، وانهيارًا في أسواق المال، ودخول الاقتصاد العالمي في نفق من الركود استمر لسنوات.

أما على الصعيد السياسي، فقد كانت النتائج أكثر دراماتيكية. خرجت مصر من عباءة النفوذ السوفيتي لتصبح حليفًا استراتيجيًا للولايات المتحدة، وهو التحول الذي تُوّج بعد سنوات قليلة بتوقيع معاهدة كامب ديفيد للسلام مع إسرائيل. لقد أنهت الحرب حالة اللاحرب واللاسلم، وفتحت الباب أمام مسار جديد أعاد تشكيل خريطة التحالفات في الشرق الأوسط بأكمله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *