جنرالات الحرس الثوري يبتلعون طهران: المدنيون مجرد واجهة في ديكتاتورية عسكرية
السيطرة الكاملة لثلاثي الجنرالات تهمش بزشكيان وتضع ترامب في مأزق التفاوض مع المتطرفين

لم تعد السلطة في طهران بيد المؤسسات المدنية بل انتقلت إلى قبضة ترويكا من جنرالات الحرس الثوري الذين حولوا الجمهورية الإسلامية إلى ديكتاتورية عسكرية مغلفة بصبغة دينية.
القادة الفعليون لإيران الآن هم العميد أحمد وحيدي القائد العام للحرس الثوري والجنرال محمد باقر ذو القدر سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي والجنرال يحيى رحيم صفوي المستشار العسكري للمرشد مجتبى خامنئي.
وحيدي مدرج على قائمة الإنتربول منذ عام 2007 باعتباره العقل المدبر لتفجير بوينس آيرس عام 1994 الذي قتل العشرات حين كان يقود فيلق القدس. تعيينه جعل من أحد أكبر المطلوبين دولياً بتهم الإرهاب الرجل الأقوى في هيكل الدولة الإيرانية.
أما ذو القدر فقد فرضه وحيدي على الرئيس مسعود بزشكيان بعد مقتل علي لاريجاني في مارس الماضي رغم الاعتراضات المدنية وله تاريخ طويل في قمع التظاهرات منذ التسعينات. سجله يتضمن اغتيالات سياسية قديمة وهجمات استهدفت كوادر نفطية أمريكية قبل عقود.
صفوي من جانبه صاحب خطاب راديكالي شهير هدد فيه بقطع رؤوس وألسنة المعارضين مؤكداً أن لغة النظام هي السيف.
يشترك الثلاثة في رؤية الحرب كتهديد وجودي لكنهم واثقون من قدرتهم على إطالة أمد النزاع. صمت مجتبى خامنئي منذ بدء القصف منح الشرعية لهذا الانقلاب العسكري الناعم.
سقوط عراقجي
هناك من يتحدث عن سلطة مدنية مضادة في إيران لكن من السخف تسمية ذلك انقساماً في النظام كما يفعل دونالد ترامب لتبرير هوسه بالتفاوض لأن المدنيين يتبعون القادة العسكريين بشكل كامل.
فريق بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي تخلصوا من نفوذهم وتحولوا إلى مجرد أدوات تنفيذية لا غير.
قضية عراقجي واضحة فعندما أعلن عن إعادة فتح مضيق هرمز هاجمه الإعلام التابع للحرس الثوري واتهمه بمنح ترامب فرصة لإعلان النصر.
وكالة تسنيم اعتبرت تصريحاته سيئة وناقصة بينما طالب نواب بإقالته. وفي اليوم التالي أطلق الحرس الثوري النار على سفن تجارية وأغلق المضيق لإذلال الوزير علناً. ذو القدر اتهمه بالانحراف عن التكليف وتم سحب الوفد المفاوض إلى طهران.
ومع ذلك يظل بقاء الوزير والرئيس في منصبيهما أمراً مثيراً للاهتمام.
على الأغلب يحتاج الجنرالات لهذه الواجهة المدنية لتسويق أي مخرج تفاوضي محتمل وربما لإبقاء أقدامهم على الأرض.
بزشكيان حذر من خسائر اقتصادية هائلة بمليارات الدولارات وضرورة تخفيف العقوبات فيما يبقى عراقجي مفيداً للنظام بصفته مفاوضاً يبيع اعتدالاً وهمياً للعالم.
تحول المدنيون إلى أدوات نافعة في يد عصبة عسكرية تستخدمهم عند الحاجة وتصفعهم عند تجاوز الخطوط الحمراء.
صعود قاليباف
في خضم هذا المشهد تبرز شخصية محمد باقر قاليباف كحلقة وصل مثالية بين السلطة السياسية والعسكرية.
قاليباف خلفيته من الحرس الثوري وهو صديق قديم لخامنئي وفي الوقت نفسه يرأس البرلمان الذي يعد مؤسسة مدنية.
يبدو أنه الشخصية المتوافق عليها وهو من يحدد التوقيتات السياسية الآن.
في رده على التقارير الغربية أكد عبر منصاته أنه لا يوجد معتدلون أو متطرفون في إيران بل الجميع ثوريون وتحت طاعة المرشد لمواجهة المعتدي.
قاليباف كان حاضراً في مفاوضات إسلام آباد لكنه لم يتعرض لأي انتقاد على عكس ما حدث مع عراقجي.
بالمقابل يصر ترامب على خيار التفاوض زاعماً أن القادة الجدد في إيران أكثر اعتدالاً رغم كل الأدلة.
هذا الإصرار نابع من تكلفة الحرب العالية عليه فقد وصل سعر برميل النفط لمستويات قياسية مما رفع أسعار البنزين في الداخل الأمريكي بشكل غير مسبوق.
وحذرت بنوك كبرى من أن استمرار إغلاق هرمز سيرفع الأسعار لمستويات كارثية تلتهم الميزانية الأمريكية بينما تتجاوز تكاليف العمليات العسكرية اليومية مئات الملايين.
المخاطر النووية
الأزمة تكمن في عدم التوازن حيث تستهلك أمريكا صواريخها الدفاعية الباهظة مقابل مسيرات وألغام إيرانية رخيصة الثمن.
إعادة بناء هذه الترسانة الأمريكية يحتاج لسنوات وهو أمر يضر بالموقف الاستراتيجي أمام الصين مستقبلاً.
ترامب يحاول الضغط لزيادة إنتاج السلاح لكن الوتيرة الحالية لا تصمد أمام حرب الاستنزاف الإيرانية. لا يمكن لواشنطن الاستمرار بهذا الإنفاق دون إضعاف قوتها العالمية.
الحقيقة هي أن ترامب لا يملك المال أو الإرادة السياسية لإنهاء هذا الصراع وسيقبل بأي اتفاق تقريباً رغم تهديداته العلنية بأن الوقت ليس في صالح طهران.
المشكلة أن وجود نظام راديكالي تحت قيادة جنرالات إرهابيين يمثل تهديداً أكبر من النظام التقليدي الذي عرفه العالم.
خبراء يقدرون أن الوقت اللازم لإنتاج رؤوس نووية في إيران تقلص لثلاثة أشهر فقط مع وجود كميات ضخمة من اليورانيوم المخصب.
وكالة الطاقة الذرية فقدت أي قدرة على المراقبة داخل المنشآت الإيرانية مما خلق فراغاً أمنياً خطيراً.
امتلاك نظام عسكري متعطش للانتقام لسلاح نووي سيكون كارثة على إسرائيل والسعودية والمنطقة بأكملها.
بإمكان إيران إنتاج مادة القنبلة النووية خلال أسابيع قليلة باستخدام أجهزة الطرد المركزي المتطورة لديها.
قد يظن ترامب أنه يفاوض معتدلين لكنه في الواقع يواجه عصبة من قدامى الإرهابيين الذين صمدوا أمام واشنطن. نصر ترامب التفاوضي المزعوم قد ينتهي كأكبر هزيمة استراتيجية لأمريكا منذ عقود.









