اقتصاد

المغرب: تحول قطاع إدارة الأصول وصعود صناديق الاستثمار المتوافقة مع الشريعة

كيف يعيد القانون الجديد وشراكة 'ريد ميد كابيتال' مع 'أزيموت' تعريف المشهد المالي للمملكة

صحفي اقتصادي في منصة النيل نيوز، متخصص في متابعة أسواق المال والتقارير الاقتصادية المحلية والعالمية

إدارة الأصول المغربية

يشهد قطاع إدارة الأصول في المغرب، الذي يقدر حالياً بنحو 85 مليار دولار، تحولاً جذرياً، مدفوعاً بتشريع جديد يفتح آفاقاً استثمارية غير مسبوقة. هذا التوجه ليس مجرد طموح، بل هو متجذر في الإصلاحات التشريعية التي أُقرت في أكتوبر الماضي، والتي أعادت تشكيل المشهد التنظيمي بشكل جوهري، مما يتيح إطلاق فئات استثمارية مبتكرة. ضمن هذا السياق الديناميكي، يبرز “ريد ميد كابيتال”، البنك الاستثماري المغربي الخاص، كلاعب محوري، حيث يستعد لإطلاق أول صناديق استثمار متداولة (ETFs) متوافقة مع الشريعة ومقومة بالعملات الأجنبية في المملكة، مستفيداً من شراكة استراتيجية مع “أزيموت” الإيطالية لإدارة الأصول. هذا التحرك لا يعكس فقط استجابة لمتطلبات السوق المتطورة، بل يمثل أيضاً خطوة جريئة نحو تعميق وتنويع الأدوات المالية المتاحة للمستثمرين المحليين والدوليين.

التحول التشريعي

إن اعتماد البرلمان المغربي في أكتوبر الماضي لقانون جديد يعزز قطاع إدارة الأصول لم يكن مجرد تعديل إجرائي، بل كان بمثابة حجر زاوية في بناء بنية تحتية مالية أكثر حداثة ومرونة. هذا الإطار التشريعي المتقدم، الذي طال انتظاره، يفتح الباب أمام إنشاء فئات جديدة من الصناديق، أبرزها الصناديق المتداولة في البورصة (ETFs) والصناديق المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، بالإضافة إلى تلك المقومة بالعملات الأجنبية. هذه المرونة التنظيمية، التي لم تكن متاحة سابقاً، تهدف إلى جذب رؤوس أموال جديدة وتلبية احتياجات شريحة أوسع من المستثمرين، مما يعزز مكانة المغرب كمركز مالي إقليمي، ويدعم رؤيته التنموية الشاملة كما تشير تقارير دولية متعددة.

شراكة استراتيجية

تتجسد الرؤية التوسعية لـ”ريد ميد كابيتال” بوضوح في شراكته الاستراتيجية مع “أزيموت”، عملاق إدارة الأصول الإيطالي الذي يدير أصولاً تتجاوز 120 مليار يورو (ما يعادل 139 مليار دولار). هذه الشراكة، التي تجلت في استحواذ “أزيموت” على حصة 29% في “ريد ميد لإدارة الأصول” و25% في “ريد ميد للأوراق المالية” في مارس الماضي، لا تقتصر على ضخ رأس المال فحسب، بل تمثل نقلة نوعية في الخبرات والتقنيات. فـ”أزيموت”، بخبرتها الممتدة عبر عشرين دولة وإدارتها لأكبر صندوق متوافق مع الشريعة في العالم بتركيا، توفر لـ”ريد ميد” قاعدة معرفية لا تقدر بثمن، مما يمكنه من تصميم منتجات استثمارية مبتكرة تتوافق مع المعايير العالمية وتطلعات السوق المغربية. “نحن نستفيد من تجربة أزيموت العميقة في صناديق المؤشرات والعملات”، يؤكد عبد السلام اعبابو، المؤسس والرئيس التنفيذي لـ”ريد ميد كابيتال”، مشدداً على الأهمية الاستراتيجية لهذه الشراكة في توسيع آفاق الاستثمار.

نمو الأصول والإمكانات

منذ تأسيسه عام 2004، أظهر “ريد ميد كابيتال” مسار نمو لافتاً، حيث تجاوزت الأصول التي يديرها 3 مليارات دولار حتى ديسمبر الحالي، مسجلة زيادة سنوية بنسبة 50%. هذا النمو يعكس الثقة المتزايدة في قدرات البنك وفي جاذبية السوق المغربية، التي تتوقع جمعية شركات التدبير وصناديق الاستثمار المغربية (ASFIM) أن يتضاعف حجم قطاع إدارة الأصول فيها ليبلغ 160 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة. هذا التوسع المتوقع، كما أشار مصطفى حساني، رئيس الجمعية، في مقابلة سابقة، يوفر إمكانات هائلة لتمويل المشاريع الكبرى في البنية التحتية، لا سيما مع استعداد البلاد لاستضافة كأس العالم لكرة القدم 2030، وهو ما يتطلب استثمارات ضخمة تتجاوز القدرات التمويلية التقليدية. هل يمكن لقطاع إدارة الأصول أن يصبح المحرك الرئيسي لهذا التمويل؟

تنويع الاستثمارات

في ظل هذه التوقعات الواعدة، يستهدف “ريد ميد كابيتال” مضاعفة الأصول تحت الإدارة إلى 6 مليارات دولار بحلول نهاية العقد الجاري. هذا الهدف الطموح، وفقاً لاعبابو، مدعوم ببيئة استثمارية تشهد زخماً مستمراً بفضل القانون الجديد وسعي السلطات لتوفير مصادر تمويل إضافية للمشاريع الوطنية. ومع ذلك، لا تزال محفظة استثمارات قطاع إدارة الأصول في المملكة تركز بشكل كبير على سندات الدين الحكومية والقطاع الخاص، بحصة تناهز 80%، بينما تحظى الأسهم بحصة متواضعة نسبياً. هذا التركيز على العائد الثابت، يرى اعبابو، سيبقى مهيمناً لأنه يوفر مردودية مستقرة ورؤية أوضح للمستثمرين، مما يقلل من المخاطر في بيئة سوقية لا تزال في طور النضوج.

موازاة مع ذلك، يتجه البنك الاستثماري نحو تعزيز حضوره في الملكية الخاصة من خلال صندوق “كولومبوس 1″، الذي يناهز حجمه 700 مليون درهم (حوالي 75 مليون دولار) بشراكة مع “الصندوق السيادي محمد السادس للاستثمار”. يخطط الصندوق لضخ استثمارات في عشر شركات مغربية واعدة، مع تطلعات لإغلاقه بأكثر من 90 مليون دولار في السنوات المقبلة، مما يعكس التزاماً بدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة وتعزيز النمو الاقتصادي من خلال الاستثمار المباشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *