العراق يضع حجر الأساس لأمنه الدوائي بمدينة متكاملة

في خطوة استراتيجية تهدف إلى إعادة بناء أحد أهم أعمدة سيادته الوطنية، وضع العراق حجر الأساس لمشروع مدينة الصحة الدوائية جنوبي بغداد، وهو مشروع طموح يتجاوز كونه مجرد مجمع صناعي، ليصبح ركيزة أساسية في تحقيق الأمن الدوائي للبلاد. يأتي هذا المشروع الضخم، الذي تقدر تكلفته بأكثر من 500 مليون دولار، كاستجابة مباشرة لحاجة ملحة في سوق محلي ضخم يبلغ حجمه قرابة 3 مليارات دولار سنوياً.
المشروع الذي دشنه رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، لا يعكس فقط توجهاً حكومياً نحو توطين صناعة الدواء في العراق، بل يكشف عن عمق الأزمة التي يعاني منها المواطن. ففي بلد يصل فيه حجم الإنفاق الحكومي على الصحة إلى 8 مليارات دولار، لا يغطي هذا المبلغ سوى 30% من التكلفة الفعلية، تاركاً المواطنين يتحملون عبء الـ 70% المتبقية من جيوبهم الخاصة، وهو ما يجعل من توفير الدواء محلياً قضية تمس حياة كل أسرة عراقية.
شراكات عالمية لتوطين التكنولوجيا المتقدمة
تمتد مدينة الصحة الدوائية على مساحة 120 ألف متر مربع، وقد صُممت لتكون مركز جذب للخبرات العالمية. ويتزامن تدشينها مع توقيع عقود مع شركات دولية رائدة لإنتاج أدوية حساسة ومعقدة، خاصة تلك المخصصة لعلاج الأمراض السرطانية والمستعصية، في محاولة جادة لنقل التكنولوجيا المتقدمة وتوطينها. هذه الخطوة تهدف إلى كسر حلقة الاعتماد على الاستيراد المكلف وغير المستقر أحياناً.
وتتضمن المرحلة الأولى من هذا المشروع العملاق إقامة خمسة مصانع متخصصة، تمثل نقلة نوعية في قطاع الصحة العراقي، وتشمل:
- مصنع لإنتاج الأدوية الحيوية المشابهة بالتعاون مع شركة “هيتروا” العالمية.
- مصنع لإنتاج مشتقات البلازما، بشراكة مع “أكورد” البريطانية و”بروثيا” الهولندية.
- مصنع لإنتاج محاليل الغسيل البريتوني بالتعاون مع “باكستر فانتف” الأمريكية.
- مصنع متخصص في المنسوجات الطبية والمواد التي تستخدم لمرة واحدة.
- مصنع أدوية عامة بالتعاون مع تحالف من الشركات العالمية.
بنية تحتية متكاملة ورؤية مستقبلية
لم يقتصر التخطيط على المصانع فحسب، بل امتد ليشمل بنية تحتية داعمة تضمن استدامة المشروع وفعاليته. إذ سيتم إنشاء مركز متطور للأبحاث والتطوير الدوائي بالتعاون مع شركة “سارتوريوس” الألمانية، إلى جانب مخازن طبية مبردة ومعقمة ومحطات لتوليد الكهرباء بالطاقة الشمسية، مما يعكس رؤية حديثة تجمع بين التصنيع والبحث العلمي والاستدامة البيئية.
ويأتي هذا المشروع ضمن موجة أوسع يشهدها الاستثمار في العراق في هذا القطاع الحيوي، حيث ارتفع عدد مصانع الأدوية العاملة إلى 33 مصنعاً، مع وجود العشرات قيد الإنشاء. هذه الجهود، كما أكد رئيس الوزراء، تهدف إلى جعل الأمن الدوائي لا يقل أهمية عن الأمن الغذائي والعسكري، وفتح آفاق جديدة لاستيعاب الكفاءات الشابة في مختلف التخصصات الطبية والصناعية، بما يخدم سوق الدواء العراقي ويعزز من قدرته على تلبية احتياجاته.








