صحة

اكتشاف جيني جديد يفتح آفاقًا لعلاج ألزهايمر بالكولين

كتب: أحمد شكري

في بارقة أمل جديدة لمرضى **ألزهايمر**، كشف فريق علمي مرموق من **معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا** بالولايات المتحدة عن آلية جوهرية تفسر كيف تزيد بعض **الطفرات الجينية** النادرة في جين يُعرف بـ **ABCA7** من خطر الإصابة بهذا الداء العصبي المدمر.

الدراسة، التي نشرت تفاصيلها المجلة العلمية المرموقة “نيتشر“، لم تكتفِ بتحديد الخلل في **استقلاب الدهون** الذي يضع الخلايا العصبية تحت ضغط هائل، بل فتحت الباب على مصراعيه أمام استراتيجية علاجية واعدة تعتمد على مادة غذائية شائعة: “**الكولين**”.

يعد جين **ABCA7** حجر الزاوية في وظائف الدماغ، إذ يضطلع بمسؤولية حيوية تتمثل في نقل الدهون عبر أغشية الخلايا العصبية. وعندما يصاب هذا الجين بطفرات نادرة، تتراجع كفاءة البروتين الذي ينتجه، ما يضاعف من فرص الإصابة بـ **ألزهايمر** مقارنة بمن لا يحملون هذه الطفرات.

هذا الخلل في وظيفة الجين يؤدي إلى اضطراب حاد في **استقلاب الدهون** داخل الخلية، ما يجعل الأغشية الخلوية أكثر صلابة ويؤثر سلبًا على عمل الميتوكوندريا، وهي مراكز إنتاج الطاقة في الخلية. والنتيجة هي تعرّض الخلايا العصبية لإجهاد تأكسدي وتلف في الحمض النووي.

وتشبه هذه الآلية الخلوية الضارة إلى حد كبير ما تسببه طفرة **APOE4**، وهي إحدى أكثر **الطفرات الجينية** شيوعًا وخطورة، وترتبط بما يقارب نصف حالات **ألزهايمر** حول العالم. فالطفرتان تُعطّلان قدرة الخلايا على التعامل مع الدهون، وتجعلانها أكثر عرضة لتراكم بروتينات الأميلويد وتاو، وهي السمات المميزة للمرض.

للوصول إلى هذه النتائج، اعتمد الباحثون على تحليل دقيق لبيانات مشروع “دراسات الشيخوخة والذاكرة”، الذي يتابع التغيرات الإدراكية لدى كبار السن منذ عام 1994. وقد كشفت الدراسة أن 12 عينة فقط من أصل 1200 عينة متاحة كانت تحمل **الطفرات النادرة** في جين **ABCA7**.

آلية الخلل ودور استقلاب الدهون

أظهر التحليل المعمق للخلايا العصبية تغييرات جينية واسعة النطاق، ترتبط بثلاثة محاور أساسية: اضطراب **استقلاب الدهون**، وتلف الحمض النووي، واختلال عملية إنتاج الطاقة عبر الفسفرة التأكسدية داخل الميتوكوندريا.

هذه المحاور الثلاثة، التي تمثل ركائز الحفاظ على صحة **الخلايا العصبية**، تتأثر بشكل مباشر بخلل جين **ABCA7**. فعندما يضطرب **استقلاب الدهون**، تفقد الأغشية الخلوية مرونتها، ما يعطل وظائف الميتوكوندريا ويزيد من الإجهاد التأكسدي، وهو ما يتسبب بدوره في تلف الحمض النووي.

ولقد كشفت التجارب التي أجريت على خلايا عصبية مشتقة من خلايا جذعية تحمل هذه **الطفرات الجينية** عن خلل واضح في “صمام الأمان” الذي يحمي الميتوكوندريا من الشحنات الكهربائية الزائدة. هذا الخلل أدى إلى ارتفاع مستويات الإجهاد التأكسدي وتلف الحمض النووي، بالإضافة إلى تغير في **استقلاب** جزيء “الفوسفاتيديل **كولين**”، ما أثر على مرونة الأغشية الخلوية.

الكولين.. بارقة أمل علاجية

بناءً على هذه المعطيات، اختبر الفريق علاج **الخلايا العصبية** المتضررة بجزيء CDP-**كولين**، وهو مادة وسيطة حيوية في تكوين الفوسفاتيديل **كولين**. كانت النتائج مبهرة، حيث استعادت الأغشية مرونتها، وتراجعت مستويات الإجهاد التأكسدي بشكل ملحوظ، كما انخفضت حدة فرط الاستثارة العصبية، والأهم من ذلك، عادت مستويات بروتين بيتا-أميلويد – المكون الأساسي للويحات **ألزهايمر** – إلى طبيعتها.

ولم تتوقف الاختبارات عند هذا الحد، بل قام الباحثون بتطوير أنسجة ثلاثية الأبعاد (أورجانويد) من **الخلايا العصبية** الحاملة لـ **الطفرات الجينية**، وأكدت هذه النماذج المتقدمة أيضًا التحسن الكبير بعد العلاج بـ **الكولين**.

وفي تعليقها على النتائج، أوضحت الدكتورة لي-هوي تساي، المديرة البارزة لمعهد بيكاور للتعلم والذاكرة، أن فريقها سبق وأن أثبت عام 2021 فعالية مكملات **الكولين** في تحسين الأعراض المرتبطة بـ **طفرات APOE4** في نماذج حيوانية. وأضافت: “من **APOE4** إلى فقدان وظيفة **ABCA7**، أثبتنا أن الخلل في توازن الدهون هو بوابة لتطور **مرض ألزهايمر**، وأن استعادة هذا التوازن عبر مكملات **الكولين** يمكن أن يخفف من مظاهر المرض”.

وبشرى سارة أخرى، يتوفر **الكولين** بشكل طبيعي ووفير في مصادر غذائية يومية مثل البيض واللحوم والأسماك وبعض البقوليات والمكسرات. هذه الوفرة تفتح آفاقًا واسعة لاستراتيجيات وقائية بسيطة، سواء بتعزيز استهلاك **الكولين** في النظام الغذائي أو عبر المكملات، ليكون بمثابة خط دفاع مبكر ضد هذا الداء.

ولم يغفل الباحثون الإشارة إلى أن هناك **طفرة** أكثر شيوعًا في جين **ABCA7**، تصيب حوالي 18% من البشر، ورغم أنها كانت تُعتبر غير مؤثرة سابقًا، فإن هذه الدراسة تكشف أنها تحدث تغيرات مشابهة في **استقلاب الدهون**. هذا الاكتشاف يلمح إلى أن تأثير هذا الجين قد يكون أوسع نطاقًا ليشمل شريحة أكبر من السكان مما كان متوقعًا، ما يعزز أهمية هذه النتائج في فهمنا الشامل لـ **مرض ألزهايمر**.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *