أم كلثوم: سيرة الروح على خشبة المسرح

على أحد مسارح القاهرة، يعود صوت “الست” ليملأ الوجدان من جديد، لكن هذه المرة عبر رؤية فنية معاصرة. فمسرحية “أم كلثوم.. دايبين في صوت الست”، التي انطلقت عروضها مؤخراً، لا تقدم مجرد سرد لحياة كوكب الشرق، بل تغوص في أعماق روحها وتراثها، في محاولة لتقديمها لجيل جديد ربما لم يعاصر زمنها.
يقف وراء هذا العمل الطموح السيناريست والمنتج مدحت العدل، الذي يصفه بأنه “عمل فني شامل” يجسد رؤيته الخاصة لشخصية استثنائية تركت بصمتها على الفن والإنسانية في العالم أجمع. العمل ليس مجرد استعراض للسيرة الذاتية، بل هو رحلة عاطفية وفنية في آن واحد.
رؤية فنية تتجاوز السيرة الذاتية
تنطلق المسرحية من قرية طماي الزهايرة، حيث البدايات الأولى، وتمر بمحطات الصعود والتألق، وصولاً إلى اللحظة التاريخية التي أطلّت فيها أم كلثوم على جمهورها في باريس. يؤكد العدل أن العمل لا يكتفي بسرد الأحداث، بل يضيء على عالمها الإنساني وعلاقاتها بكبار الشعراء والملحنين الذين شكلوا معها وجدان أمة بأكملها.
يحتوي العرض على باقة من أشهر أغنياتها الخالدة، قُدمت في معالجة مسرحية حديثة تعتمد على الإبهار البصري والتقنيات المتطورة. إلى جانب ذلك، يتضمن العمل أغنيات جديدة كُتبت خصيصاً لتخدم السياق الدرامي، في محاولة لنقل روحها الفنية “في صيغة تليق بجمهور اليوم”، كما يقول العدل، لتصبح التجربة أشبه بحضور إحدى حفلاتها التاريخية ولكن بلغة العصر.
شغف شخصي وراء المشروع
لم يكن الدافع وراء هذا الإنتاج الضخم مجرد فرصة فنية، بل هو شغف شخصي عميق يربط مدحت العدل بكوكب الشرق. يقول: “أم كلثوم هي حياتي كلها. تعلمت الشعر على أغنياتها، وحبّيت واتحبيت على صوتها”. هذا الارتباط الوجداني كان المحرك الأساسي لتأسيس شركته الإنتاجية الجديدة، التي اختار أن تكون باكورة أعمالها عن أيقونته المفضلة.
هذا الإيمان بقيمة أم كلثوم لا يستند إلى العاطفة وحدها، بل إلى أرقام وبيانات واقعية. فمن خلال رئاسته للجمعية المعنية بـ حقوق الملكية الفكرية، يرى العدل بوضوح أن أغنياتها ما زالت تتصدر قوائم التوزيع، متفوقة على أعمال فنانين معاصرين، ما يثبت أن تأثيرها لم يخبُ رغم مرور ما يقرب من نصف قرن على رحيلها.
وجوه جديدة لروح خالدة
كان أحد أكبر تحديات العمل هو العثور على من يجسد شخصية أم كلثوم. اتخذ العدل قراراً فنياً جريئاً بالابتعاد عن النجمات المعروفات، واختار الاعتماد على وجوه جديدة. يبرر ذلك بقوله: “كنت لا أريد أن ترتبط صورة أم كلثوم في ذهن الجمهور بنجمة معروفة، لأن المقارنة ستكون ظالمة”.
كان المعيار الأساسي في الاختيار هو الصوت القادر على حمل روح “الست”، وليس بالضرورة التطابق الشكلي. هذه الاستراتيجية سمحت للمواهب الشابة بالظهور، وأكدت أن مصر لا تزال قادرة على إنجاب أصوات عظيمة، وهو ما يتجلى في الأداء الذي يقدمه أبطال العرض بعد بروفات مكثفة استمرت لأكثر من أربعة أشهر متواصلة.
جولة على خطى كوكب الشرق
لا تقتصر طموحات القائمين على المسرحية على عروض القاهرة فقط، بل تمتد لتشمل خطة طموحة لجولة واسعة. تبدأ الجولة في مختلف محافظات مصر، ثم تنتقل إلى عدد من العواصم العربية، لتصل بعدها إلى محطتين عالميتين هما باريس ولندن. هذه الخطة تبدو وكأنها محاكاة رمزية لجولة كوكب الشرق الغنائية التاريخية عام 1967.
وقد حرص فريق العمل على الالتزام الكامل بالقوانين المنظمة لحقوق الملكية، حيث تم تسديد كافة المستحقات الخاصة باستخدام أغنيات أم كلثوم وصوتها. يؤكد العدل أن هذا الإجراء يأتي من منطلق “الاحترام الكامل لتراثها ولحقوق كل من شارك في صنعه”، ليقدم عملاً فنياً متكاملاً يليق باسم الأيقونة التي يحتفي بها.









