ازدواجية بريتوريا الفنية: كنيسة في البندقية تتبنى رثاءً فلسطينياً حظرته جنوب إفريقيا
الوزير اعتبر رثاء ضحايا غزة «مثيراً للانقسام» رغم الموقف الرسمي لبلاده في لاهاي

في مفارقة سياسية تعكس تصدع الخطاب الرسمي لجنوب إفريقيا، انتقل العمل التركيبي للفنانة غابرييل غوليات من الجناح الوطني الرسمي في «بينالي البندقية» إلى كنيسة «سانت أنتونين» التاريخية، بعد قرار وزير الثقافة غايتون ماكنزي إلغاء المشاركة بدعوى أنها «تثير الانقسام». هذا الإلغاء، الذي ترك مبنى الجناح في «جيارديني» مغلقاً بالكامل، جاء مدفوعاً برفض الوزير إدراج رثاء للشاعرة الفلسطينية هبة أبو ندى، التي قتلت في غارة إسرائيلية عام 2023، ضمن سلسلة أعمال «رثاء» (Elegy) التي توثق الفظائع العابرة للحدود.
تتجلى حدة التناقض في كون الحكومة التي تقود ملاحقة إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بتهمة «الإبادة الجماعية»، مارست رقابة داخلية ضد تمثيل الضحايا الفلسطينيين في المحفل الفني الأبرز عالمياً. وقد كشفت غوليات أن الوزير ماكنزي أبدى موافقته في مراسلات رسمية على تناول قضايا العنف ضد المرأة في جنوب إفريقيا، وحتى إبادة شعبي «هيريرو» و«ناما» (التي ارتكبتها القوات الألمانية مطلع القرن العشرين وتُعد تاريخياً أولى إبادات القرن)، بينما اشترط صراحةً حذف الشق المتعلق بحياة الفلسطينيين لضمان استمرار الدعم الحكومي.
داخل الكنيسة التي تعود للقرن الثاني عشر، تصدح أصوات نساء في نوتات موسيقية جنائزية ممتدة، حيث وُزعت خمس شاشات في صحن الكنيسة لتخليد ذكرى أبو ندى وضحايا غزة، في تداخل صوتي وبصري يضع الأجساد السمراء والمهمشة تحت الجداريات المسيحية التقليدية. وبحسب غوليات، فإن تصنيف العنف القائم على النوع الاجتماعي كـ «مقبول» سياسياً مقابل حظر الحداد على الفلسطينيين، يكشف عن رغبة حكومية في تحويل الأزمات الوطنية إلى قضايا نمطية منزوعة المسؤولية السياسية، في حين يظل الدم الفلسطيني محكوماً بـ «حالة استثناء» تمنع رثاءه علناً.
قررت وزارة الثقافة في جنوب إفريقيا إغلاق جناحها الوطني في البندقية طوال فترة المعرض، بعد رفض الفنانة غابرييل غوليات تعديل محتوى عملها الفني. وتدخلت بطريركية البندقية ومؤسسة «بيرثا» لتوفير موقع بديل في كنيسة «سانت أنتونين» لاستضافة العمل الذي يتناول ضحايا العنف العرقي والجنسي والإبادات التاريخية والمعاصرة.
هذا النزوح القسري للفن من الأروقة الدبلوماسية إلى الفضاءات الدينية عزز من ثقل العمل، حيث يرى مراقبون أن الصرامة الكنسية منحت «الرثاء» بعداً أخلاقياً تجاوز الحسابات السياسية لوزير الثقافة. وفي حين واجه فنانون آخرون إلغاء التمويل أو سحب التأشيرات بسبب مواقفهم، استطاعت غوليات بناء تحالف عابر للحدود شمل مدير مركز «بينتشوك» للفنون في كييف ومؤسسات في لندن وميلانو، لكسر ما وصفته بـ «الرقابة الصامتة» التي تُمارس يومياً ضد الرواية الفلسطينية في الأوساط الثقافية الدولية.









