صحة

ضريبة الفقر تظهر في الجينات.. العلم يكشف لماذا يشيب الفقراء أسرع من غيرهم؟

دراسة دولية تربط بين ضيق الحال وتآكل خلايا الجسم منذ الصغر

صحفي في قسم الصحة بمنصة النيل نيوز، يتابع التطورات الطبية ويعرضها بشكل موضوعي

قسوة الظروف المعيشية لا تكتفي بإنهاك الجيوب، بل تترك ندوباً لا تُمحى داخل خلايا الجسم، حيث كشفت دراسة حديثة أن الفقر وضيق ذات اليد يسرعان من وتيرة الشيخوخة البيولوجية، مما يجعل الشخص يبدو وكأنه أكبر من عمره الحقيقي بسنوات طويلة. هذا التآكل الداخلي يبدأ في وقت مبكر جداً، حيث أظهرت البيانات أن الأطفال الذين ينشأون في بيئات فقيرة تظهر على خلاياهم علامات هرم لا تتناسب مع أعمارهم الصغيرة، وهو ما يُعرف بـ “التجوية” أو تآكل الجسد نتيجة الضغوط المستمرة التي تستهلك أجهزة الجسم الحيوية قبل أوانها.

الساعة البيولوجية لا تكذب

الساعات البيولوجية المستخدمة في الأبحاث ليست مجرد أرقام، بل هي وسيلة متطورة لقراءة التغيرات في الحمض النووي لتقدير مدى استهلاك الجسم، وقد أثبت الباحثون في معهد ماكس بلانك وجامعة كولومبيا أن الأشخاص الأقل حظاً من الناحية المادية يعانون من شيخوخة متسارعة. وتعمل هذه الساعات عبر رصد بصمات كيميائية معينة على الجينات، حيث وجدوا أن من يعيشون تحت ضغوط مالية تضعف لديهم القدرة على إصلاح الخلايا، مما يسرع من قصر “التيلوميرات”، وهي الأغطية الواقية لنهايات الكروموسومات التي كلما قصرت، اقتربت الخلية من الموت أو التعطل.

الأطفال في قلب العاصفة

الفوارق الطبقية تظهر بوضوح تحت المجهر حتى قبل أن يدرك الصغار معنى المال، فالأطفال في الأسر الفقيرة يشيخون بيولوجياً بمعدلات أسرع من أقرانهم في الأسر الميسورة، وهو ما يفسر ظهور الأمراض المزمنة لدى الفئات الكادحة في سن مبكرة. وتلعب هرمونات التوتر، وعلى رأسها الكورتيزول، دوراً مدمراً هنا؛ فالبقاء في حالة “تأهب” دائمة لمواجهة صعوبات الحياة يرفع مستويات هذا الهرمون بشكل مزمن، مما يؤدي إلى ما يسمى بالإجهاد السام الذي يضرب القلب والمناعة ويغير كيمياء الجسد بشكل دائم.

النتائج التي شملت 66 ألف شخص من 23 دولة أثبتت أن الجيل الثالث من الساعات الجينية هو الأكثر دقة في رصد هذا الانحدار الصحي، حيث يركز على “سرعة” الشيخوخة وليس فقط العمر الزمني. الدراسة المنشورة في دورية Nature Human Behavior ربطت أيضاً بين التهميش العرقي والاجتماعي وبين سرعة الهرم، مؤكدة أن العنصرية والتمييز يزيدان من حرق خلايا الجسم، لدرجة أن الفجوة في الشيخوخة كانت في أقصى درجاتها عند مقارنة الفئات الأكثر تعرضاً للظلم الاجتماعي بغيرهم.

تآكل الخلايا وضغوط الحياة

التجارب المريرة في الطفولة لا تُنسى بيولوجياً، فالبالغون الذين نشأوا في فقر ظلوا يحملون معدلات شيخوخة أسرع حتى لو تحسنت ظروفهم لاحقاً، مما يشير إلى أن الجسد “يخزن” الحرمان في ذاكرته الجينية. هذا النوع من الهرم المتسارع يفسر لماذا يعاني سكان المناطق العشوائية أو الفقيرة من أمراض الشيخوخة مثل السكري والضغط في الأربعينيات من عمرهم، بينما قد يتأخر ذلك لدى الميسورين لعقود، وهو ما يجعل العدالة الاجتماعية ليست مطلباً حقوقياً فحسب، بل ضرورة طبية لإنقاذ جينات الأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة