هل ظلمنا أطفال التوحد بـ “علاج واحد للجميع”؟ العلم يكتشف نوعين مختلفين تماماً في المخ
مسح أدمغة البشر والفئران يثبت: "التوحد" ليس مرضاً واحداً.. وخلايا المخ تكشف المستور

انتهى عصر التعامل مع التوحد كقالب واحد يضم الجميع تحت مظلة واحدة. نجحت دراسة علمية حديثة في وضع يدها على دليل بيولوجي قاطع يؤكد وجود نوعين منفصلين تماماً من التوحد داخل الدماغ البشري، مما يمهد الطريق لولادة عصر جديد في علاج التوحد الموجه والمشخصن لكل حالة على حدة، بدلاً من السياسات العلاجية التقليدية التي تفترض أن كل المصابين يتشابهون في تركيبتهم الدماغية.
الباحثون اعتمدوا في كشفهم غير المسبوق، والمنشور في مجلة نيتشر نيوروساينس الشهيرة، على مقارنة وتحليل مسح الدماغ لقرابة ألف طفل وشاب مصاب بالتوحد، ومقارنتهم بأدمغة فئران تجارب تم تعديلها جينياً لتشابه أدمغة مرضى التوحد. النتيجة كانت مذهلة وتتلخص في مسارين متباينين كلياً داخل الجمجمة.
مخ كسلان ومخ فائق النشاط
النوع الأول الذي حدده العلماء يُعرف بـ “ضعيف الترابط”، وفيه تعاني خلايا الدماغ من كسل في الاتصال البيني، وتبين أن هذا الخلل يرتبط مباشرة بجينات مسؤولة عن عمل “الوصلات العصيبية” التي تنقل الإشارات وتحدد ملامح مخ الطفل وتفكيره. أما النوع الثاني، فهو على النقيض تماماً، ويُعرف بـ “مفرط الترابط”، حيث تزداد وتيرة الاتصالات الكهربائية والكيميائية بين مناطق المخ بشكل مبالغ فيه، وتبين أن هذا النشاط الزائد مرتبط بجينات الجهاز المناعي، وعادة ما يظهر أصحاب هذا النوع أعراض التوحد الأكثر شدة وصعوبة في التعامل اليومي.
هذا الانقسام البيولوجي يعيد للأذهان كيف تطور تشخيص هذا الاضطراب عبر العقود؛ فمنذ أن وصف الطبيب ليو كانر التوحد لأول مرة عام 1943، عانى أهالي الأطفال من اتهامات قاسية وظالمة، حيث سادت لسنوات طويلة نظرية “الأمهات المبردات” التي كانت تلوم برود الأم عاطفياً وتعتبره السبب وراء توحد طفلها، قبل أن يثبت العلم الحديث اليوم أن المسألة برمتها تتعلق ببيولوجيا الدماغ وتأثير الجينات ولا علاقة لها بطريقة التربية.
تفكيك فخ المظلة الواحدة
عالم الأعصاب الإيطالي، أليساندرو جوزي، من المعهد الإيطالي للتكنولوجيا، أوضح أن الأطباء لاحظوا لسنوات طويلة تفاوتاً ضخماً في طريقة تعبير الأطفال عن التوحد وسلوكياتهم، لكنهم كانوا يفتقرون إلى الدليل المادي الملموس الذي يثبت أن هذا التفاوت نابع من اختلاف بيولوجي حقيقي داخل الرأس، وهو ما قدمته الدراسة الجديدة عبر عزل العوامل الجينية والمناعية وربطها بشكل مباشر بأنماط الاتصال الدماغي.
الأهمية الكبرى لهذا الاكتشاف تكمن في تصحيح مسار طبي بدأ عام 2013، حينما قرر الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية في طبعته الخامسة دمج عدة متلازمات منفصلة كانت تشمل متلازمة أسبرجر واضطراب النمو الشامل تحت مسمى واحد واسع هو “طيف التوحد”، مما تسبب في خلط كبير وصعوبة في تحديد العلاج المناسب لكل حالة، ليعيد الكشف الحالي التأكيد على أن الدمج الشامل لم يكن الخيار الأدق علمياً.
التجارب لم تتوقف عند البشر؛ فالطبيبة أدريانا دي مارتينو من معهد عقل الطفل الأمريكي تشير إلى أن الاستعانة بنماذج الفئران كانت بمثابة “حجر رشيد البيولوجي” الذي سمح بفك شفرة المسارات الجينية بدقة، قبل مطابقتها مع صور الرنين المغناطيسي لأدمغة الأطفال المصابين بالتوحد للتأكد من تطابق النتائج.
ومع ذلك، لا تزال رقعة الغموض واسعة، فالنوعان المكتشفان حديثاً لم يشكلا سوى ربع الحالات البشرية التي خضعت للتحليل في الدراسة، مما يعني أن هناك أنواعاً فرعية أخرى لا تزال مختبئة في تلافيف الدماغ وتنتظر من يكتشفها لإنهاء معاناة الملايين، لا سيما مع بلوغ معدلات الإصابة مستويات لافتة، إذ تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن طفلاً واحداً من بين كل 100 طفل حول العالم يعاني من هذا الاضطراب، مما يضع عبئاً ضخماً على الأسر والمنظومات الصحية الباحثة عن حلول علاجية حقيقية وليست مسكنات عامة.







