صوت مضغ الطعام قد يكشف أسرار صحتك النفسية.. العلم يبرئ «الأعصاب التالفة»
دراسة تربط بين الانزعاج من أصوات التنفس والمضغ وبين جينات القلق والاكتئاب

هل تشعر برغبة عارمة في الصراخ أو مغادرة الغرفة لمجرد سماع صوت «قرطمة» تفاحة أو تنفس شخص بجانبك بصوت مسموع؟ هذا الضيق ليس مجرد «دلع» أو سوء طباع كما يظن البعض، بل هو حالة طبية معقدة تُعرف باسم «ميزوفونيا» أو كراهية الأصوات، والجديد أن جذورها تمتد عميقاً في خريطتك الجينية.
دراسة حديثة أجراها باحثون في جامعة أمستردام، بقيادة الطبيب النفسي ديرك سميت، كشفت أن هذا الانزعاج الشديد من أصوات طبيعية كالمضغ أو التنفس ليس مجرد حساسية عابرة. بتحليل بيانات ضخمة من «البنك الحيوي البريطاني» ومؤسسة «23andMe»، وجد العلماء أن الجينات المسؤولة عن هذه الحالة تتداخل بشكل مثير للقلق مع جينات الاضطرابات النفسية الكبرى، وعلى رأسها القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة.
تاريخياً، كان يُنظر لمن يعانون من هذه الحالة كأشخاص «صعبي المراس» أو شديدي التوتر، لكن الربط الجيني يغير اللعبة تماماً. فالمصاب بالميزوفونيا غالباً ما يحمل استعداداً وراثياً يجعل دماغه يترجم الأصوات العادية كتهديدات حقيقية. هذا التداخل الجيني مع اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) يعني أن الجهاز العصبي يتعامل مع صوت «رشف الشاي» بنفس الطريقة التي يتعامل بها مع خطر داهم، مما يفسر نوبات الغضب أو الهلع المفاجئة.
الأرقام تشير إلى أن هذه الظاهرة ليست نادرة كما نتخيل. في بريطانيا وحدها، أظهرت استطلاعات شاركت فيها الخبيرة جين غريغوري من جامعة أكسفورد، أن نحو 18.4% من الناس يعانون من هذه الحساسية بدرجات متفاوتة. هؤلاء الأشخاص لا يشعرون بمجرد الانزعاج، بل يصفون شعوراً بالعجز أو الوقوع في فخ، وهي أحاسيس تتشابه مع ما يشعر به مرضى «طنين الأذن» الذين يعانون أيضاً من ضغوط نفسية مضاعفة.
المفاجأة التي رصدها فريق جامعة أمستردام ونُشرت في دورية (Frontiers in Neuroscience)، هي أن المصابين باضطراب طيف التوحد كانوا أقل عرضة للإصابة بهذا النوع المحدد من الميزوفونيا الجينية. هذا يعني أن كراهية الأصوات ليست مجرد «حساسية حسية» عامة، بل هي مسار بيولوجي مستقل يرتبط أكثر بتركيبة الشخصية والميول نحو القلق والوحدة والشعور بالذنب.
في البيوت العربية، غالباً ما تُفسر هذه الحالات بأنها «قلة ذوق» من الطرف الآخر أو حساسية مفرطة من الشخص المنزعج، مما يخلق صراعات عائلية مستمرة. لكن العلم الآن يضع الكرة في ملعب البيولوجيا؛ فالأمر يتعلق بكيمياء الدماغ وكيفية معالجته للمحيط. إن فهم أن هذه الاستجابة «مبرمجة» داخل الجينات قد يفتح الباب لاستخدام تقنيات علاجية مخصصة لاضطرابات الصدمات النفسية لمساعدة هؤلاء الأشخاص على التعايش مع ضجيج الحياة اليومية.









