عرب وعالم

إيران تسقط مقاتلة أمريكية من طراز F-15E وتضع ترامب في مأزق

سقوط مقاتلة F-15E يضع واشنطن في موقف حرج

مراسل في قسم عرب وعالم بمنصة النيل نيوز

بينما كانت فرق البحث الأمريكية تهرع في سباق مع الزمن لانتشال طيارين اثنين من حطام مقاتلة F-15E Strike Eagle سقطت في جنوب إيران، كانت طهران تحتفل بما وصفته بأكبر انتكاسة عسكرية مباشرة يمنى بها الرئيس ترامب منذ انطلاق عملية “الغضب الملحمي”. لم يكن الأمر مجرد سقوط طائرة، بل هو أول خسارة مؤكدة لطائرة أمريكية مأهولة منذ بدء الأعمال العدائية، ما يثير تساؤلات جدية حول هيمنة واشنطن الجوية التي سعت جاهدة لإبرازها.

الإعلان عن إسقاط الطائرة من قبل السلطات الإيرانية، والذي قابله صمت مطبق من البنتاغون، أشعل حملة محمومة من الجانبين. فمن جهة، عرضت إيران مكافأة مالية ضخمة مقابل رأس الطيارين، بينما نشرت الولايات المتحدة عملية بحث واسعة النطاق لإنقاذ جنودها، مستخدمة الطائرات والمروحيات والطائرات المسيرة، ونجحت بالفعل في إنقاذ أحد الطيارين على قيد الحياة.

عشرة مليارات تومان، أي ما يعادل مئة مليار ريال إيراني أو 76 ألف دولار أمريكي، هي المكافأة السخية التي وضعها محافظ إقليم كهكيلويه وبوير أحمد الإيراني، حيث يُزعم أن الطائرة سقطت، على الطاولة، مضيفًا إليها “تقديرًا خاصًا” لمن يسلم “الطيار الأمريكي المجرم” حيًا. هذا التحفيز المالي لم يأتِ من فراغ، بل رافقته دعوات من مذيعي التلفزيون الرسمي ووكالة مهر للأنباء، لحث المواطنين في المنطقة على تحديد مكان الطيار الأمريكي الناجي والقبض عليه.

بقي مصير الطيار الآخر مجهولًا حتى اللحظة. في غضون ذلك، نشرت وسائل الإعلام الحكومية في الجمهورية الإسلامية صورًا لحطام الطائرة وما يبدو أنه مقعد قذف يعود للمقاتلة، وهو الذي استخدمه الطيار الآخر للقفز قبل الارتطام، وقد استعادته واشنطن بالفعل وهو يتلقى العلاج الطبي. أفاد الحرس الثوري الإيراني بأنه يقتفي أثر الطيار المفقود في منطقة قريبة من موقع سقوط المقاتلة، بينما بثت القنوات الإيرانية مقاطع فيديو مزعومة لسكان يطلقون النار على مروحيات أمريكية شاركت في عملية الإنقاذ، في مشهد ينم عن تحدٍ واضح.

رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، والذي أشارت إليه بعض وسائل الإعلام كـ”وسيط محتمل” مع واشنطن رغم نفيه لذلك، لم يفوت الفرصة للسخرية من ترامب. “بعد هزيمة إيران 37 مرة متتالية، هذه الحرب اللامعة عديمة الاستراتيجية التي بدؤوها بأنفسهم، تحولت من ‘تغيير النظام’ إلى ‘مهلاً! هل يمكن لأحد أن يجد طيارينا؟ من فضلكم؟ واو. يا له من تقدم مذهل. عباقرة حقيقيون’،” هكذا سخر قاليباف على حسابه في منصة “إكس”، في إشارة إلى تهاوي السردية الأمريكية.

### يوم عصيب على واشنطن

لقد كان يوم الجمعة هذا حقًا يومًا عصيبًا لهجوم الجمهوريين على طهران. فإحدى مروحيات بلاكهوك المشاركة في عملية الإنقاذ تعرضت لإطلاق نار إيراني، بينما تحطمت طائرة قتالية ثانية، من طراز A-10 Warthog، في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز، في توقيت قريب من سقوط المقاتلة في إيران، وإن كان ركابها قد نجوا على قيد الحياة.

ادعت طهران إسقاط طائرات عسكرية أخرى خلال الأسابيع الخمسة الماضية من الحرب، لكن حتى يوم الجمعة هذا، لم يتم تأكيد أي من تلك الهجمات المزعومة ولم تتوفر أدلة دامغة. قبل أيام قليلة، أعلن الجيش الإيراني عن إلحاق أضرار بطائرة F-35، فيما اكتفى البنتاغون بالإشارة في بيان إلى أن الطائرة اضطرت للهبوط اضطراريًا في قاعدة بالخليج الفارسي بعد مهمة قتالية، دون تقديم تفاصيل حول احتمال تعرضها لضربة.

ووفقًا لوسائل إعلام أمريكية، فقد أسقطت طائرات أمريكية أخرى خلال الصراع، منها ثلاث مقاتلات من طراز F-15 أسقطتها بطريق الخطأ الدفاعات الجوية الكويتية، وتمكن طياروها الستة من القفز بأمان. إضافة إلى ذلك، تحطمت طائرة تزود بالوقود من طراز KC-135 في العراق، ورغم أن السبب لا يزال غير واضح، إلا أن الجيش الأمريكي يصر على أن الحادث لم يكن نتيجة لنيران معادية.

### ترامب في مفترق طرق

بعد ساعات من إسقاط المقاتلة، صرح الرئيس الأمريكي بأن هذا الحادث لن يؤثر على المفاوضات الهادفة لإنهاء الصراع مع إيران، رغم أن طهران كانت قد أبلغت باكستان، التي تلعب دور الوسيط، بأنها لن تحضر اجتماعًا في إسلام آباد مع وفد أمريكي في الأيام المقبلة، معتبرة المقترحات الأمريكية “غير مقبولة”.

وبعيدًا عن هذه التصريحات، سيبقى السؤال معلقًا حول كيفية تجسد الرد العسكري لترامب على هذه الانتكاسة الجديدة، خاصة بعد أن هدد بـ”إعادة إيران إلى العصر الحجري”. في غضون ذلك، وحسب تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز”، تقدر الاستخبارات الأمريكية أن إيران تعيد بنجاح بناء ملاجئها تحت الأرض ومنصات إطلاقها التي استهدفت خلال الحرب، مما يسمح لها بالعودة إلى العمليات بشكل كامل. إضافة إلى ذلك، تحتفظ طهران بترسانة كبيرة من الصواريخ والقاذفات.

في الأسابيع الأخيرة، رفع الرئيس لهجته إلى أقصى حد ضد طهران، متوعدًا برد انتقامي مدمر إذا تجاوز النظام “خطوطًا حمراء” معينة. هذا الإسقاط يضع تلك الخطابات على المحك ويجبر البيت الأبيض على اتخاذ قرار حاسم: هل ستحوّل التهديدات إلى تصعيد عسكري مفتوح، أم ستختار ضبط النفس؟

التحدي الذي يواجهه ترامب مزدوج: خارجيًا، في مواجهة خصم يسعى لإظهار قدرته على الردع، وداخليًا، أمام رأي عام مستقطب ومؤسسة عسكرية تخشى الانجرار إلى حرب واسعة النطاق. أي خطوة، من هجوم محدود إلى حملة جوية مطولة، ستُقرأ كمقياس لمصداقيته بعد أن وعد بعقوبات “تاريخية” للجمهورية الإسلامية. المجهول هو ما إذا كان سيميل نحو استعراض للقوة يدعم خطابه، أم إلى رد فعل أكثر حذرًا لتجنب صراع إقليمي أكبر.

وفي الوقت ذاته، تتزايد الضغوط على الجمهوري من حلفائه وشركائه في المنطقة، الذين يطالبون بالصلابة ولكنهم يخشون أيضًا أن يصبحوا هدفًا للانتقام الإيراني. على هذا “اللوح” المعقد، لن تحدد استجابة واشنطن بعد هذه الانتكاسة الفصل التالي في صراعها مع طهران فحسب، بل ستحدد أيضًا توازن القوى في الشرق الأوسط وصورة الرئيس نفسه، الذي جعل من تهديداته المستمرة سردية قوته الخاصة.

مقالات ذات صلة