صحة

خلل «شبكة الصرف» بالدماغ.. طريق مختصر نحو الإصابة بالذهان

دراسة تربط بين فشل التخلص من السموم العصبية وظهور الاضطرابات العقلية المبكرة

صحفية في قسم الصحة بمنصة النيل نيوز، تتابع الأخبار الطبية وتنقلها للجمهور بلغة واضحة

يمتلك الدماغ البشري نظام تنظيف داخلي يعمل بصمت للتخلص من الفضلات الكيميائية الناتجة عن نشاط الخلايا، لكن تعطل هذه «السباكة الحيوية» قد يكون السبب الخفي وراء الانهيارات العقلية الكبرى. دراسة حديثة قادها باحثون من جامعة جنيف السويسرية كشفت أن فشل هذا النظام، المعروف باسم «الجهاز الجليمفاوي»، يرتبط بشكل مباشر بزيادة مخاطر الإصابة بالذهان، وهي حالة يفقد فيها المريض اتصاله بالواقع.

تاريخياً، ساد الاعتقاد بأن الاضطرابات العقلية مثل الفصام هي نتاج خلل في كيمياء الدماغ فقط، إلا أن التوجه العلمي الحديث بدأ يركز على الهيكل الإنشائي والوظائف الحيوية المساندة. الباحثون تتبعوا حالات 85 شخصاً يعانون من متلازمة وراثية نادرة ترفع احتمالات الإصابة بالفصام، واستمرت المراقبة لمدة 25 عاماً. النتائج التي نشرت في دورية (Biological Psychiatry: Global Open Science) أظهرت أن المصابين بالذهان عانوا من ضعف في تدفق السوائل المسؤولة عن غسل الدماغ منذ مرحلة الطفولة.

استخدم الفريق البحثي مؤشراً تقنياً يسمى «ALPS» لقياس حركة المياه داخل قنوات الدماغ. عندما تتوقف هذه القنوات عن العمل بكفاءة، تتراكم النفايات الكيميائية مسببة التهابات تدمر الخلايا العصبية. أليساندرو باسكوتشي، الطبيب النفسي المشارك في الدراسة، أوضح أن هذا المسار غير الطبيعي يظهر بوضوح قبل وقت طويل من ظهور الأعراض السريرية على المريض.

الأمر لا يتوقف عند تراكم الفضلات، بل يمتد لتعطيل التوازن الكيميائي الحساس. الدماغ يحتاج لتوازن دقيق بين مادتين: «الجلوتامات» التي تحفز الخلايا، و«GABA» التي تهدئها. في حالات فشل نظام الصرف، تسيطر المادة المحفزة بشكل سام، مما يؤدي لتلف مناطق حيوية مثل «الحصين»، وهو المركز المسؤول عن معالجة التوتر والذاكرة في الدماغ. هذا التلف هو ما يمهد الطريق لنوبات الهلوسة والضلالات.

عالمياً، يعاني ملايين الأشخاص من اضطرابات ذهانية تستهلك سنوات من أعمارهم في محاولات العلاج التقليدية التي تستهدف الأعراض بعد وقوعها. ستيفان إلييز، الباحث في جامعة جنيف، يرى أن اكتشاف هذا الخلل في وقت مبكر من حياة الطفل قد يغير قواعد اللعبة. بدلاً من انتظار اندلاع النوبة الذهانية، يمكن للتدخلات الطبية المستقبليّة أن تركز على تحسين كفاءة تنظيف الدماغ ومنع التسمم العصبي قبل حدوثه.

مقالات ذات صلة