صدمة السيارات الكهربائية: تسريح المئات.. ومليارات الجنيهات تتبخر
مستقبل المركبات الكهربائية يتأرجح مع تباطؤ الطلب وتراجع الاستثمارات العالمية

تضرب أزمة تباطؤ الطلب على السيارات الكهربائية بقوة، مهددة آلاف الوظائف ومتبخرة مليارات الدولارات من الاستثمارات العالمية، في مشهد يثير القلق حول مستقبل هذا القطاع الواعد. أحدث فصول الأزمة تتكشف في منشأة شركة SK Battery America بولاية جورجيا، حيث أعلنت المورد الكوري الجنوبي للبطاريات عن تسريح 958 موظفاً، ما يعادل 37% من قوة عمل مصنعها البالغ تكلفته 80.34 مليار جنيه مصري (2.6 مليار دولار)، والذي افتتح عام 2022. رغم استمرار المصنع بالعمل بنحو 1600 عامل، تكشف عمليات التسريح هذه عن تحول حاسم في ديناميكيات سوق السيارات الكهربائية، وتجبر شركات صناعة السيارات على إعادة تقييم جداولها الزمنية للتحول الكهربائي.
كان المصنع مورداً رئيسياً لبطاريات شاحنة فورد F-150 Lightning، لكن قرار فورد إلغاء النسخة الكهربائية بالكامل من الشاحنة لصالح بديل بمدى تشغيل أطول، يعكس توجهاً صناعياً أوسع. حذر جيم فارلي، الرئيس التنفيذي لفورد، في وقت متأخر من العام الماضي، من احتمالية حدوث مثل هذه التراجعات إذا تباطأ الطلب، خاصة مع إلغاء حوافز السيارات الكهربائية وعوامل أخرى مؤثرة.
يزداد الطلب على السيارات الكهربائية، لكن بوتيرة أبطأ بكثير مما توقعته الشركات المصنعة في السابق. هذا التباطؤ، مقترناً بتغير السياسات الحكومية وإلغاء حوافز المستهلكين للسيارات الكهربائية، جعل بيئة السوق أقل قابلية للتنبؤ لمصنعي البطاريات وشركات السيارات على حد سواء. تراجعٌ مقلق يضع خطط التوسع في مهب الريح.
تراجع الطلب على السيارات الكهربائية
تشير أبحاث حديثة إلى تراجع حماسة المستهلكين للسيارات الكهربائية، بخلاف التوقعات الطموحة التي سادت مطلع العقد. دراسة جديدة أبرزها موقع Autoblog تكشف تحولاً كبيراً في مزاج المشترين، حيث يعيد عدد أكبر من المستهلكين النظر فيما إذا كانت السيارة الكهربائية تناسب نمط حياتهم. هذا التردد يلوح في الأفق، حتى في أسواق مثل مصر، حيث لا يزال المستهلكون يتساءلون عن مدى جدوى التحول الكامل.
يظل قلق المدى (مدى البطارية)، ومحدودية البنية التحتية للشحن، وارتفاع التكاليف الأولية، مخاوف رئيسية. فبينما قادت الفئة الأولى من المشترين (الرائدون) نمواً سريعاً للسيارات الكهربائية في أوائل العشرينيات، تبدو الموجة التالية من المشترين أكثر حذراً. هذا التردد أحدث تباطؤاً في انتشار السوق، حيث بلغت حصة السيارات الكهربائية نحو 8% من مبيعات السيارات الجديدة بالولايات المتحدة عام 2025، وهي نسبة لم تتغير عملياً عن العام السابق. في مصر، هذا القلق مضاعف، فمحطات الشحن قليلة، وأسعار السيارات الكهربائية الباهظة تضعها بعيداً عن متناول الغالبية.
بالنسبة للموردين مثل SK Battery America، يؤثر هذا التباطؤ في الطلب مباشرة على أحجام الإنتاج. بنيت مصانع البطاريات لدعم خطط طرح طموحة للسيارات الكهربائية، لكن العديد من شركات صناعة السيارات أرجأت الآن هذه الخطط، تاركة أجزاء من سلسلة التوريد أكبر من طاقتها الفعلية للطلب الحالي. إهدارٌ للموارد يثير التساؤلات.
شركات السيارات تقلص استثماراتها
السوق الهادئة دفعت إلى سلسلة من التراجعات الاستراتيجية عبر صناعة السيارات. خفضت بعض الشركات المصنعة التزاماتها من المواد الخام؛ فورد، على سبيل المثال، قلصت مؤخراً اتفاقية توريد الليثيوم وسط مراجعة لخطط إنتاج السيارات الكهربائية. هذه الخطوات تكشف عن حذرٍ متزايد لدى الكبار.
تتضح أيضاً الآثار المالية. شطبت عدة شركات سيارات كبرى مجتمعة أكثر من 1.6995 تريليون جنيه مصري (55 مليار دولار) بعد المبالغة في تقدير الطلب القريب الأجل على السيارات الكهربائية. تعكس عمليات الشطب هذه مشاريع ملغاة، ومصانع متأخرة، واستثمارات ستستغرق وقتاً أطول من المتوقع لتحقيق العائد. صفعةٌ مالية مدوية.
في بعض الحالات، ألغيت نماذج سيارات كهربائية مخططة بالكامل قبل وصولها إلى الإنتاج. اختفت بهدوء عدد من السيارات الكهربائية القادمة، تتراوح من الكروس أوفر الشعبية إلى موديلات الأداء الفاخرة، من خرائط طريق المنتجات، حيث تعيد الشركات توجيه الموارد نحو السيارات الهجينة (الهايبرد) والهجينة القابلة للشحن. هذا يوضح تبدل الأولويات بشكل جذري.
مستقبل غامض ينتظر السيارات الكهربائية
رغم التباطؤ، يظل التوقعات طويلة الأجل للسيارات الكهربائية محل نقاش واسع. يرى بعض المحللين أن الصناعة تمر ببساطة بمرحلة نمو أكثر واقعية بعد سنوات من التوقعات المفرطة في التفاؤل من شركات صناعة السيارات وصانعي السياسات. بينما يستمر تبني السيارات الكهربائية، يتكيف السوق الآن مع واقع تردد المستهلك، ومحدودية البنية التحتية، والتحديات المالية المرتبطة بتوسيع نطاق التقنيات الجديدة. واقعٌ مرير يواجه طموحات خضراء.
العوامل الخارجية يمكن أن تغير المسار بسرعة. تصاعد التوترات الجيوسياسية واحتمال حدوث اضطرابات في إمدادات النفط العالمية أثار مخاوف بشأن أسعار الوقود المستقبلية. إذا ارتفعت تكاليف البنزين مرة أخرى، فقد تستعيد السيارات الكهربائية زخمها بشكل أسرع من المتوقع. وبالنسبة لسوق مثل مصر، حيث تتقلب أسعار الوقود وتعتمد الدولة على الاستيراد، فإن هذا التوازن الدقيق بين تكلفتي البنزين والكهرباء يظل عاملاً حاسماً في أي تحول مستقبلي. في الوقت الراهن، تبرز عمليات التسريح مثل تلك في SK Battery America آلام النمو لصناعة لا تزال تبحث عن التوازن الصحيح بين الطموح، وجاهزية البنية التحتية، وطلب المستهلك. رحلة شاقة تنتظرها.









