عرب وعالم

خلل المتوسطات: كيف يغير الدكتور سام سافاج نظرتنا لعدم اليقين في اتخاذ القرارات؟

الدكتور سام سافاج يدعو القادة لإعادة تقييم دور المتوسطات في مواجهة عدم اليقين، مؤكدًا أن الاعتماد عليها وحدها قد يفقد معلومات حيوية.

مراسل في قسم عرب وعالم بمنصة النيل نيوز

أمضى الدكتور سام إل. سافاج، المدير التنفيذي لمؤسسة ProbabilityManagement.org، جزءًا كبيرًا من مسيرته المهنية في حث القادة على إعادة النظر في كيفية تمثيل عدم اليقين في القرارات اليومية. لا يرى سافاج أن المتوسطات عديمة الجدوى، بل يوضح أنها غالبًا ما تروي جزءًا فقط من القصة، خاصة عندما تعتمد النتائج على التباين أو التوقيت أو الأحداث المترابطة.

ويشير الدكتور سافاج إلى أن “العديد من المؤسسات تطلب من موظفيها اختصار المستقبل غير المؤكد في رقم واحد، حتى لو كان هذا الرقم لا يعكس بشكل كامل ما قد يحدث”. ويضيف: “في اللحظة التي تضطر فيها لتقديم رقم واحد في عالم مليء بالشكوك، قد تُفقد الكثير من المعلومات القيمة”. لهذا السبب، تتجه أعماله نحو طريقة أكثر سهولة وإنسانية للتفكير في عدم اليقين، وهي رؤية يعتقد أنها موجودة منذ عقود لكنها غالبًا ما كانت محجوبة بالرياضيات المعقدة والأدوات المتخصصة.

تستند هذه الرؤية إلى خلفية تقنية عميقة ومتنوعة للدكتور سافاج، الذي حصل على درجة الدكتوراه في التعقيد الحسابي. بدأ مسيرته في تدريس علوم الإدارة بجامعة شيكاغو قبل الانضمام إلى جامعة ستانفورد، حيث لا يزال محاضرًا مساعدًا في الهندسة المدنية والبيئية. لاحظ سافاج خلال عمله تحديًا متكررًا؛ فبالرغم من دقة النماذج التحليلية، إلا أنها غالبًا ما تفشل في التأثير على القرارات العملية. ويعزو سافاج هذه العقبة إلى التواصل، قائلًا: “إذا لم يتمكن الناس من شرح عدم اليقين لبعضهم البعض، فلن يتمكنوا من العمل بناءً عليه معًا”.

تبلورت هذه الملاحظات في كتابه “The Flaw of Averages” (خلل المتوسطات)، حيث قدم سافاج فكرة أن الخطط المبنية على افتراضات متوسطة قد تسفر عن نتائج مختلفة تمامًا عما توحي به تلك المتوسطات. ويشرح بمثال: “أحد التوضيحات التي أقدمها عادة هو إحصائي يحاول عبور نهر يبلغ متوسط عمقه 3 أقدام”. ويضيف: “يبدو المتوسط مطمئنًا، لكنه يخفي التباين تحت السطح. بعض أجزاء النهر أعمق بكثير من غيرها. لا يواجه الإحصائي المخاطر لأن الحسابات خاطئة، بل لأن الحسابات تصف النهر بطريقة تغفل ما هو الأهم للبقاء”.

Dr. Sam Savage

يطبق سافاج هذا المثال على سيناريوهات التخطيط الشائعة. ويقول: “تخيل مشروعًا لا يمكن أن يبدأ إلا بعد اكتمال عدة موافقات. لكل موافقة جدول زمني متوقع، وتطلب القيادة تاريخ بدء واحدًا. إن إدخال متوسط المدد ينتج إجابة واضحة، لكنه يفترض أن كل شيء ينتهي في الموعد المحدد في نفس الوقت”. وبناءً على خبرته التي تمتد عبر شركات الطاقة ومقاولي الدفاع وقطاع الرعاية الصحية، يلاحظ سافاج أن ما يُفقد ليس الجهد أو الكفاءة، بل كيفية تراكم عدم اليقين عبر التبعيات المختلفة.

تكمن هذه الفكرة في صميم عمل مؤسسة ProbabilityManagement.org، التي تتمثل مهمتها في جعل عدم اليقين قابلًا للتطبيق من خلال التعامل معه كبيانات يمكن تخزينها ومشاركتها ودمجها. يشير سافاج إلى هذا العمل على أنه تطوير “الأرقام الهندية-العربية لعدم اليقين”. فكما حولت الأرقام الموحدة التجارة والعلوم في السابق، تسمح البيانات العشوائية، التي تعبر عن لغة الاحتمالات، لعدم اليقين بالانتقال عبر جداول البيانات والنماذج ولوحات المعلومات دون أن يتم تسطيحه إلى قيمة واحدة. ومن خلال الحفاظ على العلاقات بين الاحتمالات المستقبلية، يمكن استكشاف عدم اليقين بشكل كامل بدلًا من اختزاله قبل الأوان.

وتمتد هذه المبادئ ذاتها لتشمل أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة. يصف سافاج هذا الأمر بدورة البيانات العشوائية، حيث يرى أن البيانات العشوائية تُستخدم لتدريب معظم نماذج الذكاء الاصطناعي، مما يغرس فيها معرفة بالتباين بدلًا من مجرد النتائج النقطية. وعندما تعود النتائج من الذكاء الاصطناعي، قد يُطلب من النظام رقم واحد. وإذا أُلحّ عليه، سيمتثل الذكاء الاصطناعي، غالبًا ما يقدم متوسطًا، مثل النتيجة المتوقعة لرمي حجر النرد، وهي ثلاثة ونصف لا معنى لها. ويلاحظ سافاج أن “الذكاء الاصطناعي يميل إلى الطاعة. إذا طلبت رقمًا واحدًا، فسيعطيك واحدًا”. يكمن الفرق في ما إذا كانت البيانات العشوائية الأساسية محفوظة أم مهملة. وعند الاحتفاظ بها، يمكنها أن تتدفق إلى تطبيقات تعتمد على الاحتمالات، مما يحافظ على عدم اليقين سليمًا أثناء اتخاذ القرارات.

وسّع سافاج هذا التفكير في كتابه الثاني، “Chancification”، الذي يصف كيف يمكن للمؤسسات التعامل مع الاحتمالات بشكل روتيني. تعكس هذه الفكرة تحولات تكنولوجية أخرى: حيث يقوم الخبراء بتوليد التعقيد، بينما يتفاعل المستخدمون العاديون معه بشكل حدسي. وتطبق شركة ChancePlan.AI، وهي مشروع سافاج التجاري، هذا النهج من خلال ربط النماذج العشوائية بأنظمة تخطيط متماسكة، باستخدام معايير مفتوحة طورتها المؤسسة غير الربحية. وتعكس العلاقة بين الكيانين فلسفة ثابتة مفادها أن البنية التحتية المشتركة تمكن من التطبيق المرن.

ويكمن في جوهر هذا العمل اهتمام سافاج بكيفية تعلم الناس فعليًا. فقد شكلت تجاربه المتنوعة، من قيادة الطائرات الشراعية إلى تأليف الموسيقى، اعتقاده بأن الفهم ينشأ عندما يتصل العقل بالحدس. وتساهم النماذج التفاعلية التي تتحدث فورًا في إشراك كليهما.

إن النقاش حول المتوسطات لا يتعلق بالاختصار، بل بالتوسيع. يمكن للمتوسطات أن تلخص، لكن عدم اليقين هو الذي يشرح. ومن خلال منح عدم اليقين لغة يمكن للناس مشاركتها، عبر الفرق والأدوات وحتى أنظمة الذكاء الاصطناعي، يخلق عمل سافاج مساحة لتخطيط أوضح وقرارات أكثر رسوخًا. وكما يقول: “عندما يمكنك التحدث عن الاحتمالات دون خوف، تميل المحادثات الأفضل إلى الحدوث”.

مقالات ذات صلة