الخط الأصفر يعزل جنوب لبنان.. احتلال 5% من الأراضي يفرغ الهدنة من مضمونها
الاحتلال يقضم 500 كيلومتر مربع من الجنوب وصور تنتظر جولة الحرب القادمة

تحت غطاء هدنة الأيام العشرة التي أعلنتها إدارة ترامب يكرس الجيش الإسرائيلي واقعاً جديداً في الجنوب اللبناني عبر ما يسمى الخط الأصفر الذي يطوق 55 بلدة حدودية. هذا الحزام الأمني الذي يمتد على مساحة 500 كيلومتر مربع أي ما يعادل 5% من مساحة لبنان يحول القرى إلى ركام وتفجيرات منظمة تطال كل شيء من البيوت إلى المدارس والمساجد وحتى المقابر في مشهد يستنسخ استراتيجية الأرض المحروقة التي شهدتها غزة.
حيدر رشيد سعيد مزارع من مجدل زون عاد إلى قريته ليجدها أثراً بعد عين. بكلمة واحدة يختصر المشهد وهي دمار. يقول الرجل الخمسيني وهو يقلب مسبحته إن الأمر ليس مجرد قصف بل هو تدمير شامل استمر 15 شهراً منع خلالها الاحتلال أي محاولة للإعمار. حيدر الذي شهد مجازر الاحتلال عام 1974 قبل تأسيس حزب الله يرى أن الهدف هو التهجير الدائم لكنه يؤكد أن الناس ستعود مهما رسموا من خطوط على الأرض.
في مدينة صور التي تعد من أقدم مدن العالم والمدرجة على لائحة التراث العالمي لليونسكو لا يعيش السكان أجواء تهدئة حقيقية. المدينة التي كانت مقصداً سياحياً تحولت إلى ساحة لانتظار جولة جديدة من القتال خاصة بعد الغارات العنيفة التي استهدفت أربعة مباني سكنية في قلبها قبيل سريان الهدنة بدقائق. تلك الضربات التي وصفتها المصادر المحلية بالمجزرة تركت تحت أنقاضها عشرين قتيلاً ولا يزال البحث جارياً عن مفقودين.
عباس عوض المسعف في الدفاع المدني التابع لجمعية كشافة الرسالة الإسلامية يرى أن إسرائيل تتعمد رفع وتيرة القتل قبيل أي اتفاق لنشر الرعب. عوض الذي يعمل وسط ركام المباني القريبة من الأعمدة الفينيقية التاريخية يوضح أن استهداف الأحياء السكنية في صور لا يخدم أي هدف عسكري بل هو مجرد عقاب جماعي للمدنيين.
على الجانب الآخر من المشهد تبدو الهدنة الحالية مرفوضة من الطرفين. في إسرائيل هناك ضغط لعدم إنهاء الحرب دون نصر حاسم ينهي وجود حزب الله المسلح. وفي المقابل يرفض الحزب استمرار الاحتلال للأراضي اللبنانية ويعتبر المفاوضات الحالية نوعاً من الخضوع. بينما يتواصل الحديث الدبلوماسي بين واشنطن وطهران يحافظ السكان في صور على روتينهم القلق يراقبون أعمدة الدخان المتصاعدة من منطقة البياضة المحتلة عند كل غروب.
سناء التي تدير متجراً صغيراً وسط المباني المهدمة ترفض المغادرة. المرأة التي ترتدي التشادور وتضع صورة لحسن نصر الله في محلها تقول بحدة إنها لم تفقد قوتها أبداً لكي تستعيدها الآن. بالنسبة لها وللكثيرين في الجنوب الهدنة ليست سوى استراحة قصيرة قبل عودة الطائرات التي لم تغادر الأجواء فعلياً. وبينما يفجر الجيش الإسرائيلي مجمعات رياضية في ميس الجبل ويحرق سيارات الإسعاف يدرك الجميع هنا أن الصراع أبعد من مجرد وقف مؤقت لإطلاق النار.









