فرنسا تشدد قبضتها على سوق العملات المشفرة

توسع السلطات الفرنسية حملتها الرقابية على منصات تداول العملات المشفرة، في خطوة استباقية تهدف لغربلة السوق قبل تطبيق التراخيص الموحدة للاتحاد الأوروبي. وتخضع عشرات الشركات، من بينها “بينانس”، لعمليات فحص دقيقة للتأكد من التزامها بقواعد مكافحة غسل الأموال.
حملة تفتيش واسعة
بدأت الهيئة الفرنسية للرقابة الاحترازية والتسوية (ACPR) منذ أواخر العام الماضي، في تنفيذ عمليات فحص ميداني لعشرات من منصات التداول العاملة في البلاد. وتأتي هذه التحركات، التي تحاط بقدر كبير من السرية، في سياق سعي الجهات التنظيمية لتحديد الكيانات المؤهلة للحصول على تراخيص موحدة على مستوى الاتحاد الأوروبي من بين أكثر من 100 شركة مسجلة لتقديم خدمات الأصول الرقمية في فرنسا.
وتشمل قائمة الشركات التي تخضع للمراجعة كيانات كبرى في سوق العملات المشفرة، على رأسها منصة “بينانس” العالمية، وشركة “كوين هاوس” (Coinhouse) المحلية، وفقًا لمصادر مطلعة. وتركز عمليات الفحص بشكل أساسي على اختبار مدى قوة وفعالية الضوابط الداخلية للشركات في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهو شرط أساسي لمواصلة العمل في السوق الفرنسية والأوروبية.
“بينانس” تحت المجهر
في إطار هذه الحملة، تلقت “بينانس”، التي تدير أكبر منصة لتداول العملات المشفرة في العالم، توجيهات محددة من الجهة التنظيمية لتعزيز أدوات السيطرة على المخاطر لديها. ورغم أن “بينانس” وصفت عمليات الفحص بأنها “جزء أساسي من الرقابة الدورية”، إلا أن هذه التوجيهات تعكس نظرة أكثر صرامة من المنظمين الفرنسيين تجاه اللاعبين الكبار، وتؤكد عدم وجود أي استثناءات في تطبيق القواعد.
عادةً ما تتضمن مطالب الهيئة الفرنسية تعيين المزيد من الموظفين في أقسام الامتثال والرقابة، أو تعزيز أمن أنظمة تكنولوجيا المعلومات. وتمنح الهيئة الشركات الخاضعة للفحص مهلة تمتد لعدة أشهر لتصويب أوضاعها والامتثال الكامل للملاحظات، قبل اتخاذ أي إجراءات عقابية قد تصل إلى سحب التسجيل المحلي.
سباق أوروبي لضبط السوق
تأتي هذه الإجراءات الفرنسية المشددة في وقت تتزايد فيه التوترات داخل الاتحاد الأوروبي حول كيفية تطبيق القواعد الموحدة لسوق الكريبتو. فبعد مرور قرابة 10 أشهر على دخول لائحة تنظيم أسواق الأصول المشفرة (MiCA) حيز التنفيذ، ظهرت تباينات واضحة في طريقة تعامل الدول الأعضاء مع اللوائح، مما أثار مخاوف من وجود ثغرات تنظيمية.
وتقود فرنسا، إلى جانب النمسا وإيطاليا، تحركًا لحث كبرى الجهات التنظيمية في الاتحاد على فرض رقابة مباشرة على شركات العملات المشفرة الكبرى، وتشديد القواعد لمنع ما يسمى بـ “المراجحة التنظيمية”، حيث تبحث الشركات عن الدول ذات القواعد الأكثر تساهلاً. وتعتبر عمليات الفحص الحالية رسالة واضحة بأن باريس لن تكون ملاذًا سهلاً للشركات غير الملتزمة.
مستقبل التراخيص في فرنسا
تكتسب نتائج هذه الفحوصات أهمية قصوى، حيث تشارك الهيئة الفرنسية للرقابة الاحترازية والتسوية معلوماتها مع هيئة الأسواق المالية الفرنسية (AMF)، المسؤولة عن منح تراخيص العملات المشفرة النهائية. أي فشل في الاستجابة لملاحظات الفحص قد يؤدي ليس فقط إلى عقوبات، بل إلى حرمان الشركة من الحصول على ترخيص “MiCA”، الذي يمثل جواز المرور للعمل في جميع دول الاتحاد.
أمام الشركات العاملة في فرنسا مهلة حتى نهاية يونيو 2026 للحصول على هذا الترخيص الحيوي. وحتى الآن، لم تمنح هيئة الأسواق المالية الفرنسية الترخيص سوى لعدد محدود جدًا من الشركات، مما يعكس صعوبة المعايير وصرامة الإجراءات المتبعة لضمان استقرار وأمان سوق الأصول الرقمية.










