طفرة الذكاء الاصطناعي: هل تتجه استثمارات التريليونات نحو فقاعة حتمية؟

يتزايد الجدل حول ما إذا كانت الطفرة الحالية في الذكاء الاصطناعي تمثل فقاعة اقتصادية جديدة. فمع ضخ استثمارات تريليونية في البنية التحتية، يبرز تساؤل حاسم حول قدرة هذه التقنية على توليد إيرادات توازي حجم الإنفاق الهائل، أم أن التاريخ يعيد نفسه بنسخة محدثة من فقاعة الاتصالات التي شهدها مطلع الألفية.
هذا المشهد يعيد إلى الأذهان ما كتبه الخبير التقني جورج غيلدر في عام 2000 عن ثورة كابلات الألياف الضوئية، واصفًا إياها بـ”ضوء بروميثيوس” الذي سيغير كل شيء. كان تفاؤله مبنيًا على ازدهار شركات الاتصالات، لكن بعد أشهر قليلة، انهارت الصناعة في فقاعة مدوية، مما يطرح سؤالًا ملحًا: هل يتكرر السيناريو مع فقاعة الذكاء الاصطناعي المحتملة؟
وعود براقة وشيكات أكبر
يغذي الخطاب الحالي حول الذكاء الاصطناعي هذا التوجه، حيث يصفه قادة شركات التقنية الكبرى بعبارات لا تقل بريقًا عن وصف غيلدر. فتصريحات مثل توقع إيلون ماسك أن يتجاوز الذكاء الاصطناعي ذكاء أي إنسان بحلول 2026، أو تأكيد سام ألتمان، رئيس ”OpenAI“، أن منتجه “سيعيد تشكيل مسار التاريخ”، ترسم صورة لمستقبل ثوري.
لكن هذه الكلمات لا تبقى مجرد وعود، بل تُترجم إلى إنفاق غير مسبوق. فمن المتوقع أن تنفق خمس من كبرى شركات التقنية مجتمعة حوالي 371 مليار دولار هذا العام على مراكز البيانات اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي. وتشير تقديرات شركة ماكينزي وشركاه إلى أن هذا الرقم قد يصل إلى 5.2 تريليون دولار بحلول 2030 لمواكبة الطلب المتزايد.
معادلة الإيرادات الصعبة
هنا تكمن المعضلة الأساسية: هل ستتمكن هذه التقنية من تحقيق إيرادات كافية لتبرير هذا السعر الباهظ؟ تشير التقديرات الأولية إلى أن إيرادات الذكاء الاصطناعي قد تصل إلى 60 مليار دولار في 2025، وهو رقم ضئيل للغاية مقارنة بحجم الاستثمارات. وحسبت شركة ”بين آند كو“ أن شركات التقنية ستحتاج إلى تريليوني دولار من الإيرادات السنوية الإضافية لتغطية نفقاتها بحلول 2030، متوقعة عجزًا قد يصل إلى 800 مليار دولار سنويًا.
يعلق هاريس كوبرمان، مؤسس صندوق التحوط ”براتويان كابيتال مانجمنت“، قائلًا: “أعتقد أنها فقاعة… هل سيكون هناك أي مردود على هذه الأشياء؟ أعتقد أن الإجابة هي أن ذلك غير مرجح بشدة”. ويشير إلى أن تغطية تكاليف التوسع لهذا العام وحده تتطلب 480 مليار دولار من الإيرادات الإضافية، وهو أمر يبدو صعب المنال، خاصة وأن أدوات مثل ”ChatGPT“ متاحة مجانًا لمعظم المستخدمين.
مخاطر كامنة وعقبات هيكلية
يزيد من تعقيد المشهد أن وحدات معالجة الرسومات (GPUs)، التي تشكل جزءًا كبيرًا من تكاليف مراكز البيانات، تفقد قيمتها بسرعة، على عكس البنية التحتية المتينة التي خلفتها فقاعات سابقة مثل السكك الحديدية أو كابلات الألياف الضوئية. هذا يجعل الإنفاق على الذكاء الاصطناعي أشبه ببناء برج من الرمال بدلًا من أساس صلب.
علاوة على ذلك، تظهر عقبات هيكلية قد تعيق النمو، أبرزها محدودية إمدادات الكهرباء. فبينما يستغرق بناء مركز بيانات من عامين إلى ثلاثة، قد يستغرق تزويده بالطاقة ما يصل إلى ثماني سنوات. هذا التأخير يعني أن تحقيق الإيرادات سيستغرق وقتًا أطول بكثير، هذا إن توفرت الكهرباء من الأساس، مما يضع سقفًا للنمو المتوقع.
على صعيد الأداء، لا تزال النتائج مخيبة للآمال في كثير من الحالات. فقد كشفت دراسات أن غالبية مشاريع الذكاء الاصطناعي في الشركات لم تحقق عائدًا ملموسًا، كما أن ما يقرب من 8 من كل 10 شركات تتبنى الذكاء الاصطناعي التوليدي لا ترى تأثيرًا كبيرًا على أرباحها، مما يثير تساؤلات حول الجدوى الاقتصادية الحقيقية لهذه الأدوات.
مؤشرات مالية مقلقة
يشير المراقبون إلى مؤشرات تذكرنا بفقاعة الاتصالات، مثل دائرية الصفقات، حيث تبيع شركة مثل ”إنفيديا“ رقائق لشركة ”OpenAI“ بينما تستثمر فيها أيضًا. كما يثير الغموض المتزايد حول آليات التمويل القلق، مع اعتماد الشركات على الائتمان الخاص وأدوات مالية معقدة تبقي الديون خارج الميزانيات العمومية، مما يجعل تتبع صحة الاستثمارات أمرًا صعبًا.
في المقابل، يرى المتفائلون أن الإيرادات تنمو بالفعل، وأن الإنفاق الحالي ليس ضخمًا مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي كما كان في فقاعات سابقة. الأهم من ذلك، أن شركات التقنية الكبرى تمتلك سيولة نقدية هائلة تمكنها من تحمل الخسائر والمراهنة على المستقبل البعيد بدلًا من الأرباح الفورية.
متى تنفجر الفقاعة؟
يبقى السؤال الأهم ليس ما إذا كانت الفقاعة ستنفجر، بل متى. يرى الخبراء أن أولى علامات الخطر ستظهر في تراجع تمويل رأس المال الاستثماري للشركات الناشئة. حتى ذلك الحين، تظل طفرة الذكاء الاصطناعي اختبارًا لوجهات النظر؛ فما تراه يعتمد على مدى إيمانك بقدرة هذه التقنية على تحقيق وعودها وتجاوز تكاليفها الباهظة.
المفارقة أن جورج غيلدر نفسه، الذي أعمته أضواء فقاعة الاتصالات، يسخر اليوم من الهوس الحالي بمراكز البيانات، واصفًا إياه بأنه “مبالغة في البناء”. ورغم تفاؤله بالذكاء الاصطناعي، فإنه يعتقد أن النموذج الحالي سيتغير خلال سنوات قليلة، مما يعني أن ضوء بروميثيوس لا يزال ساطعًا، لكنه قد يكشف عن مسارات مختلفة تمامًا عما نتوقعه اليوم.





