مباحثات بوتين والشرع في موسكو: مستقبل القواعد الروسية وسيادة دمشق

في أول زيارة رسمية له إلى موسكو، وضع الرئيس السوري أحمد الشرع على طاولة المباحثات مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، ملفات استراتيجية تحدد مستقبل العلاقات السورية الروسية. اللقاء بحث مصير الوجود العسكري الروسي في سوريا، ورسم ملامح مرحلة جديدة من التعاون المشروط بسيادة القرار السوري.
ملفات شائكة على طاولة الكرملين
أكد المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، أن المحادثات بين الرئيسين تناولت بشكل مباشر مستقبل القواعد العسكرية الروسية في سوريا. وشمل النقاش مصير قاعدتي حميميم الجوية وطرطوس البحرية، اللتين تمثلان حجر الزاوية في النفوذ الروسي بالمنطقة، بالإضافة إلى الوجود العسكري في مطار القامشلي شمال شرق البلاد، مما يعكس رغبة الطرفين في وضع إطار جديد لهذا الوجود.
هذا النقاش لا يأتي من فراغ، بل يعبر عن تحول في طبيعة العلاقة بين موسكو ودمشق بعد تغيير السلطة. فبينما كانت القواعد تمثل دعماً للنظام السابق، تسعى القيادة السورية الجديدة إلى أن يكون هذا الوجود متوافقاً مع رؤيتها للسيادة الوطنية، وليس امتداداً لترتيبات الماضي التي تمت في سياق مختلف تماماً.
طلبات دمشق الجديدة وضمانات موسكو
وفقاً لمصادر نقلتها وكالة “رويترز”، لم تقتصر مطالب الوفد السوري على إعادة النظر في شكل الوجود العسكري، بل امتدت لتشمل طلبات محددة. سعى الرئيس الشرع للحصول على ضمانات روسية واضحة بعدم تسليح أي من فلول النظام السابق، في خطوة تهدف إلى منع أي محاولة لزعزعة استقرار المرحلة الجديدة.
كما تضمنت الطلبات السورية دعماً مباشراً من موسكو في عملية إعادة بناء الجيش السوري وتأهيله وفق عقيدة وطنية جديدة. وطرح الشرع أيضاً فكرة إعادة نشر وحدات من الشرطة العسكرية الروسية في مناطق محددة، بهدف ردع الخروقات الإسرائيلية المتكررة، وهو ما يضع روسيا أمام دور جديد كضامن للاستقرار الإقليمي وليس فقط كحليف عسكري.
إعادة صياغة العلاقة الاستراتيجية
أشاد الرئيس فلاديمير بوتين بعمق العلاقات السورية الروسية التاريخية، واصفاً إياها بالخاصة والممتدة. لكن الرئيس أحمد الشرع قدم رؤية أكثر تحديداً للمستقبل، مؤكداً احترام دمشق للاتفاقيات السابقة، مع السعي في الوقت ذاته إلى “إعادة صياغة العلاقة بطريقة تضمن استقلال القرار السوري وسيادته”، وهي رسالة واضحة بأن التبعية لم تعد خياراً مطروحاً.
هذا التوجه يعكس فهماً عميقاً لدى القيادة السورية الجديدة لضرورة بناء علاقات متوازنة مع القوى الدولية، بما فيها روسيا. فالحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع موسكو ضروري، لكنه يجب أن يقوم على أسس الندية والمصالح المشتركة، وليس على منطق الحماية الذي ساد في العقد الماضي.
موقف حذر من ملف الأسد
فيما يتعلق بمصير الرئيس السابق بشار الأسد، الذي تستضيفه روسيا، كان رد الكرملين دبلوماسياً وحذراً. فعندما سُئل بيسكوف عما إذا كان الشرع قد طلب تسليمه، اكتفى بالقول: “ليس لدينا ما نقوله عن الأسد في هذا السياق”. هذا الرد يترك الباب مفتوحاً أمام التكهنات، لكنه يتجنب إحراج الحليف الجديد أو إثارة أزمة دبلوماسية.
يتماشى هذا الموقف مع تصريحات سابقة للرئيس الشرع، الذي أكد أن دمشق ستتبع المسارات القانونية لمحاسبة الأسد، مع تجنب أي مواجهة مباشرة مع روسيا قد تضر بمصالح سوريا العليا في هذه المرحلة الدقيقة. وتعد هذه الزيارة علامة فارقة ترسم ملامح التوازنات الإقليمية الجديدة، وتؤسس لمرحلة مختلفة في العلاقات السورية الروسية.











