رسوم الموانئ الأمريكية تشعل حربًا جديدة في قطاع الشحن البحري

في تصعيد جديد ضمن فصول الحرب التجارية بين واشنطن وبكين، دخلت الرسوم الإضافية التي فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترامب على الموانئ الأمريكية حيز التنفيذ، موجهة ضربة مباشرة إلى شركات الشحن الصينية. هذه الخطوة تضع ضغوطًا مالية هائلة على عمالقة القطاع مثل “كوسكو شيبنغ” و”أورينت أوفرسيز”، اللتين تعانيان بالفعل من تداعيات النزاع التجاري وتراجع أسعار الشحن عالميًا.
خسائر متوقعة بالمليارات
تُظهر التقديرات الأولية أن الأثر المالي لهذه الرسوم الجمركية سيكون كبيرًا. فوفقًا لتحليلات بنوك استثمارية مثل “إتش إس بي سي” و”سيتي غروب”، قد تواجه شركة “كوسكو شيبنغ هولدينغز”، التي يتوقع أن تسجل أرباحًا ضعيفة للربع الثالث، تكاليف إضافية تتراوح بين 1.5 و2.1 مليار دولار بحلول عام 2026. أما شركة “أورينت أوفرسيز إنترناشونال”، فقد تتكبد رسومًا تصل إلى 654 مليون دولار، مما يهدد هوامش أرباحها بشكل مباشر.
هذه السياسة، التي أقرها مكتب الممثل التجاري الأمريكي، تستهدف بشكل انتقائي السفن المملوكة لكيانات صينية أو تلك المصنعة في الصين، مما يمنح الشركات المنافسة غير الصينية ميزة نسبية. بإمكان هذه الشركات إعادة هيكلة أساطيلها العاملة على الخطوط الأمريكية لتجنب الرسوم، وهو خيار غير متاح لشركات مثل “كوسكو” التي لا تستطيع تغيير هويتها الوطنية.
رد بكين الفوري
لم يتأخر الرد الصيني، حيث أعلنت بكين عن فرض عقوبات على وحدات أمريكية تابعة لشركة “هانوا أوشن”، بالتزامن مع إطلاق تحقيق شامل حول تداعيات إجراءات المادة 301 الأمريكية على قطاعها البحري. وتأتي هذه الخطوة بعد فرض رسوم خاصة على سفن أمريكية الأسبوع الماضي، وهو ما دفع ترامب للتهديد بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% وقيود على صادرات البرمجيات، قبل أن تبدي إدارته مرونة لاحقًا لتهدئة التوترات.
استراتيجية الضغط الأمريكية
تأتي هذه الرسوم ضمن استراتيجية أوسع تتبناها إدارة دونالد ترامب لإعادة تشكيل موازين التجارة العالمية والتصدي لما تعتبره نفوذًا اقتصاديًا متزايدًا لبكين. القرار يعكس تحولًا في أدوات الضغط، من استهداف السلع مباشرة إلى استهداف البنية التحتية اللوجستية التي تدعم الصادرات الصينية، في محاولة لزيادة تكلفة وصول المنتجات الصينية إلى السوق الأمريكية.
على الرغم من هذه الضغوط، أظهرت بيانات الصادرات الصينية لشهر سبتمبر نموًا بنسبة 8.3%، وهو الأسرع في ستة أشهر، لكن هذا النمو لم يشمل الولايات المتحدة، حيث تراجعت الشحنات إليها بنسبة 27%. هذا التباين يكشف عن إعادة توجيه جزئية للتجارة الصينية بعيدًا عن السوق الأمريكية، لكنه لا يلغي أهميتها الاستراتيجية.
التزام صيني رغم التحديات
رغم الأعباء المالية المتزايدة، لم تبدِ شركات الشحن الصينية أي نية للانسحاب من أحد أكبر الأسواق الاستهلاكية في العالم. فقد أكدت “أورينت أوفرسيز” استمرارها في خدمة السوق الأمريكية، فيما أعلنت “كوسكو” عن سعيها لـ”تحسين مزيج منتجاتها عبر المحيط الهادئ”. هذا الصمود يُعزى جزئيًا إلى الدعم الحكومي الذي تتمتع به هذه الشركات، والذي يمكنها من تحمل الخسائر على المدى القصير، لكن هيكل الرسوم المتصاعد سيشكل اختبارًا حقيقيًا لقدرتها على الاستمرار.
آفاق قاتمة لقطاع الشحن
يرى المحللون أن آفاق قطاع الشحن البحري تبدو قاتمة مع دخول الربع الأخير من العام. التحدي الأبرز لا يزال يتمثل في فائض الطاقة التشغيلية في الأساطيل العالمية مقابل تباطؤ توقعات الطلب. وتحاول شركات النقل البحري التكيف مع هذا الواقع عبر زيادة عدد الرحلات الملغاة، خاصة عبر المحيط الهادئ، في محاولة للحفاظ على استقرار أسعار الشحن.
في الوقت نفسه، يشهد مركز ثقل الصناعة تحولًا تدريجيًا بعيدًا عن خطوط التجارة التقليدية عبر المحيط الهادئ. وتبرز مناطق مثل أمريكا اللاتينية وأفريقيا كنقاط نمو واعدة، مع تزايد النشاط في خدمات الشحن داخل القارة الآسيوية. ومع ذلك، تبقى الصين محورًا رئيسيًا في حركة التجارة العالمية، مما يجعل أي اضطراب يتعلق بها ذا تأثير عالمي واسع النطاق.











