البرلمان وقانون الإجراءات الجنائية: حوار السلطات يرسم ملامح العدالة الجديدة

في مشهد ديمقراطي يعكس حيوية الحوار بين مؤسسات الدولة، اهتزت قاعة مجلس النواب بصدى رسالة من رئيس الجمهورية، لم تكن رفضًا قاطعًا، بل دعوة لإعادة النظر في بعض مواد قانون الإجراءات الجنائية الجديد. خطوة دستورية بامتياز، حوّلها رئيس المجلس المستشار حنفي جبالي إلى برهان على تكامل السلطات من أجل المواطن المصري.
في قلب العاصمة، وتحت قبة البرلمان، تحولت الجلسة العامة إلى مساحة للنقاش الوطني العميق. لم يكن الأمر خلافًا بقدر ما كان ممارسة راقية للديمقراطية، حيث تستخدم كل سلطة أدواتها لضمان خروج التشريعات في أبهى صورها، محققة التوازن الدقيق بين العدالة الناجزة وحماية الحريات.
مشهد دستوري نادر.. تكامل لا تصادم
بكلمات واثقة، أوضح المستشار حنفي جبالي أن اعتراض رئيس الجمهورية ليس علامة على وجود صدام، بل هو دليل حي على أن عجلة العمل في مؤسسات الدولة المصرية تدور بتناغم وتعاون. وأكد أن الرئيس استخدم إحدى أهم صلاحياته الدستورية ليعيد مشروع القانون إلى بيت الشعب، ليس لرفضه، بل لتعليقه مؤقتًا بهدف صقل بعض أحكامه وتحقيق المزيد من الضمانات للمواطنين.
هذا التحرك، بحسب رئيس المجلس، ينبع من إدراك عميق لحساسية هذا القانون وتأثيره المباشر على حياة كل مصري، وحرص من القيادة السياسية على أن تكون التشريعات الكبرى نتاج جهد وطني مشترك، يضمن تحقيق الصالح العام وصون حقوق المواطن التي كفلها الدستور.
ثماني مواد فقط.. القصة في التفاصيل
لغة الأرقام كانت حاضرة بقوة في كلمة جبالي لتبديد أي لبس، حيث انصب الاعتراض الرئاسي على ثماني مواد فقط من أصل 552 مادة يتألف منها القانون، أي بنسبة لا تتجاوز 1.4%. هذه الحقيقة وحدها كانت كفيلة بتأكيد أن الهيكل الأساسي لمشروع القانون، الذي استغرق إعداده ومناقشته قرابة 28 شهرًا، جاء متماسكًا ورصينًا.
لقد جاءت كلمة رئيس مجلس النواب لتضع النقاط على الحروف، مؤكدة على عدة حقائق أساسية:
- الاعتراض الرئاسي ممارسة دستورية طبيعية تهدف لتعزيز الضمانات.
- الملاحظات تخص 8 مواد فقط، مما يثبت جودة وصلابة غالبية مواد القانون.
- التعاون بين السلطات التشريعية والتنفيذية هو السبيل لتحقيق الأهداف الوطنية.
- المجلس سيبدأ فورًا في دراسة المواد محل الاعتراض بمسؤولية كاملة.
نقد بناء أم تشويه؟.. رسالة حاسمة من رئيس المجلس
لم يخلُ حديث المستشار جبالي من رسالة حاسمة موجهة لتلك الأصوات التي سارعت، على عجل، إلى إطلاق أحكام متسرعة وصفت مشروع القانون بأكمله بأنه غير صالح. استنكر رئيس المجلس كيف انزلقت بعض التحليلات إلى التشكيك والتهويل، متجاهلة أشهرًا طويلة من العمل الدؤوب والحوار المجتمعي الذي شاركت فيه كافة الجهات المعنية.
وميّز جبالي بوضوح بين النقد الموضوعي الذي وصفه بـ “القيمة النبيلة” التي يرحب بها المجلس، وبين النقد الذي ينحدر إلى “التشويه والمناكفات”، مؤكدًا أن هذا النوع الأخير لا يخدم الوطن ولا يحترم عقول المواطنين، بل يهدف فقط إلى إثارة البلبلة دون أساس من الصحة.
ماذا بعد؟.. خريطة طريق برلمانية للمراجعة
في ختام كلمته، جدد رئيس مجلس النواب ترحيبه بملاحظات رئيس الجمهورية، مؤكدًا أن المجلس سيمضي فورًا وبكل عزم لدراسة المواد الثماني بعين المسؤولية الوطنية. وأشار إلى أن هذا التفاعل بين السلطات هو السبيل الأمثل لتحقيق آمال الشعب المصري في دولة القانون، وصناعة مستقبل يليق بتاريخ مصر العظيم، موجهًا أسمى آيات التقدير للرئيس الذي يضع مصلحة الوطن والمواطن دائمًا في مقدمة أولوياته.









