فن

همسات الروح: «كلب ساكن» يفوز بجائزة آفاق السينما العربية ويكشف أسرار العلاقات الإنسانية

فيلم سارة فرنسيس اللبناني يلامس شغاف القلوب في مهرجان القاهرة السينمائي، مقدماً حواراً صامتاً بين الماضي والحاضر.

في ليلة بهيجة، تكللت بالنجاح والإبداع، أعلن مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، في حفل ختام دورته الـ46، عن تتويج الفيلم اللبناني «كلب ساكن» بجائزة «أفضل فيلم» ضمن مسابقة آفاق السينما العربية. هذا الإنجاز ليس مجرد اعتراف بفيلم، بل هو احتفاء بالرؤى الفنية التي تتجاوز الحدود، وتلامس أعماق التجربة الإنسانية، مؤكدة على الدور المحوري للمهرجان في دعم المواهب الصاعدة والسينما العربية ككل. الفيلم، الذي يحمل توقيع المخرجة سارة فرنسيس، ينسج حكاية آسرة عن لقاء زوجين بعد غياب طويل، ليكشف عن طبقات من المشاعر المتراكمة والأسئلة المؤجلة التي ظلت ساكنة في أعماق الروح. إنه دعوة للتأمل في مساحات الصمت بين البشر، وكيف يمكن للماضي أن يلقي بظلاله على الحاضر، مشكلاً فسيفساء معقدة من الحب والفراق.

تتجسد قصة «كلب ساكن» في شخصيتي وليد وعايدة، اللذين يجدان نفسيهما وجهاً لوجه بعد سنوات من الانفصال. إنها ليست مجرد عودة، بل هي مواجهة صريحة مع الذات ومع الآخر، حيث تتكشف تدريجياً خيوط العلاقة التي جمعتهما يوماً، والمسافات التي فصلت بينهما. ببراعة فنية وحساسية بصرية لافتة، تستعرض المخرجة سارة فرنسيس التحولات الإنسانية الدقيقة، وتغوص في أعماق النفس البشرية، لترصد كيف تتغير ملامح الحب والفراق تحت وطأة الزمن. الفيلم يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة العلاقات، وهل يمكن لجسر التواصل أن يُعاد بناؤه بعد أن تهدم؟ إنه مشهد سينمائي يترك في النفس أثراً عميقاً، كصدى لحوار لم يكتمل، أو شعور لم يُفصح عنه.

لم تتوقع المخرجة سارة فرنسيس هذا الفوز، فقد كان بالنسبة لها نجاحاً جماعياً ينسب لكل فرد في فريق العمل، خاصة المنتجة لارا أبو سعيفان التي دعمت هذه التجربة السينمائية الفريدة. مشاركتها الأولى في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، هذا الصرح العريق الذي يحمل تاريخاً طويلاً من الاحتفاء بالسينما، كانت بحد ذاتها إنجازاً. تتذكر سارة كيف بدأت رحلة كتابة السيناريو في فترة هدوء نسبي في لبنان، لكنها أنهت النسخة الأخيرة والبلاد قد دخلت أتون الحرب، مضيفة بقلب مثقل: “قلوبنا مع فلسطين”. هذا السياق يمنح الفيلم بعداً إنسانياً أعمق، فكأن حكايات الشخوص تتشابك مع حكاية وطن، حيث الصمت والأسئلة المؤجلة لا تقتصر على العلاقات الشخصية، بل تمتد لتشمل مصائر الشعوب. [يمكن الاطلاع على تاريخ المهرجان ودوره في دعم السينما العربية عبر موقعه الرسمي](https://www.ciff.org.eg/).

### همسات الذاكرة: رحلة «كلب ساكن» إلى الشاشة

رحلة «كلب ساكن» من الفكرة إلى الشاشة لم تكن قصيرة، بل استغرقت ما يقارب الخمس سنوات من التحضير الدقيق. بدأت النسخة الأولى من السيناريو في عام 2017، وتطورت عبر نسخ متتالية حتى عام 2021، تخللها إنجاز فيلمين آخرين، تسجيلي ووثائقي، مما يعكس شغف سارة فرنسيس الدائم بالبحث والتعبير السينمائي. بدأت عملية التصوير في عام 2022، لتتجسد الرؤية الفنية التي طالما راودتها. هذا المسار الطويل يشي بعمق التجربة التي أرادت المخرجة أن تقدمها، فكل تفصيل في الفيلم يبدو وكأنه نتاج تأمل طويل، وصقل دقيق، ليخرج العمل في أبهى صورة فنية.

تؤكد سارة فرنسيس أن الدافع وراء تقديم فيلم نفسي عن علاقة زوجين انتهت بالفراق، كان رغبتها في “اختبار تجربة اكتشاف شخصين يحبان بعضهما، ثم ينكسر التواصل بينهما فجأة، لتنشأ بينهما مسافة وأسئلة ساكنة في الداخل”. إنها محاولة لرواية لحظة فارقة في حياة الإنسان، تلك اللحظة التي يقرر فيها أحدهما أن العلاقة قد وصلت إلى نهايتها، وأن الحياة يمكن أن تتغير بالكامل. الفيلم يعكس حالة متكررة يعيشها كثير من الأزواج، موقف يتكرر في كل مكان، حيث تتآكل العلاقات بصمت، وتتحول المشاعر إلى أسئلة معلقة. إنها رسالة إنسانية عالمية، تتجاوز حدود الثقافة واللغة، لتلامس جوهر التجربة البشرية في الحب والفقدان.

أما عن سر اختيار عنوان «كلب ساكن»، فتكشف سارة أنه جاء من المشهد الأول الذي كتبته، والذي تضمن وجود كلب. وجدت أن الاسم مناسب، فهو يطرح أسئلة حول مستقبل علاقة تبدو منتهية، ويجيب عن سؤال: هل الفتور في العلاقة يصل بها إلى طريق اللاعودة أم لا؟ “هناك ناس تعيش علاقة لسنوات، ولا تعرف أنها انتهت، وأحياناً العلاقات تنتهي دون سبب رهيب، إنها حلقة يكتشفها الطرفان بعد سنوات”. هذا العنوان، ببساطته وعمقه، يصبح استعارة بليغة لتلك المشاعر الكامنة، والأسئلة غير المطروحة، التي تبقى حبيسة في أعماق العلاقات الإنسانية.

### ما بعد الجائزة: آفاق سينمائية تتجاوز الحدود

لا تعتبر سارة فرنسيس فيلمها “مغامرة”، ولا تصنع أفلامها لتشارك في مهرجانات أو لتشاهدها فئة محددة، بقدر ما تحاول أن تجد إجابات لبعض الأسئلة التي تراودها. هذا التوجه الفني يعكس رؤية أصيلة للسينما كأداة للبحث والتأمل، وليس مجرد وسيلة للشهرة أو الجوائز. لقد عرض الفيلم لأول مرة في مهرجان روتردام السينمائي الدولي، ثم حظي بعرضه العربي الأول في القاهرة، ويستعد لعروض قادمة في مهرجان بالهند، بالتزامن مع التحضير لخريطة عرضه تجارياً. هذه المسيرة الدولية تؤكد على قدرة الفيلم على الوصول إلى جمهور عالمي، وتجاوز الحواجز الثقافية بفضل عمق رسالته الإنسانية.

لم تخلُ رحلة التصوير من الصعوبات، فقد تم إنجاز الفيلم بالكامل في فترة قصيرة، لا تتجاوز ثلاثة أسابيع، بسبب الأوضاع الصعبة التي كانت تمر بها البلاد. هذا التحدي يبرز الإصرار والعزيمة التي يتمتع بها فريق العمل، وقدرتهم على تحويل المعوقات إلى حافز للإبداع. إنها شهادة على مرونة السينمائيين اللبنانيين وقدرتهم على إنتاج أعمال فنية ذات جودة عالية حتى في أصعب الظروف. أما عن مشاريعها القادمة، فليس لدى سارة فرنسيس خطط محددة بعد، بل مجرد أفكار تدرسها وتحاول التعبير عنها، مع تركيز كامل على خطة تسويق الفيلم في المهرجانات وعرضه أمام الجمهور. يبقى “كلب ساكن” شاهداً على قدرة السينما على الغوص في أعماق النفس البشرية، وتقديم حكايات تتردد أصداؤها طويلاً في الذاكرة، لتذكرنا بأن بعض الأسئلة تظل ساكنة، لكنها لا تموت أبداً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *