نفقات ميتا تتصاعد: استثمارات الذكاء الاصطناعي تثير قلق المستثمرين
توقعات ميتا بزيادة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي تضغط على أسهمها رغم الأرباح القوية

أعلنت شركة ميتا بلاتفورمز عن توقعات بزيادة هائلة في نفقاتها خلال عام 2026، مدفوعة باستثماراتها الضخمة في مجال الذكاء الاصطناعي. هذه التوقعات، رغم تجاوز الشركة لتوقعات المبيعات الفصلية، أثارت قلق المستثمرين ودفع أسهمها للتراجع في تعاملات ما بعد الإغلاق، مما يسلط الضوء على التوتر بين الطموحات المستقبلية والربحية قصيرة الأجل.
كشفت ميتا بلاتفورمز عن توقعات بزيادة كبيرة في إجمالي نفقاتها خلال عام 2026، مؤكدة استمرارها في الإنفاق بمستويات تاريخية على مراكز البيانات والمعدات اللازمة لدعم جهودها في مجال الذكاء الاصطناعي. هذا الإعلان، الذي يعكس التزامًا استراتيجيًا طويل الأمد، أدى إلى تراجع أسهمها في تعاملات ما بعد الإغلاق، في إشارة واضحة لمخاوف السوق من تأثير هذه الاستثمارات على الهوامش الربحية.
وفي تفاصيل أدائها المالي للربع الثالث، بلغ صافي الدخل 2.71 مليار دولار، متضمناً رسماً ضريبياً لمرة واحدة وغير نقدي بقيمة 15.9 مليار دولار، ناتجاً عن تطبيق قانون ضرائب جديد في يوليو. هذا البند المحاسبي الكبير أثر بشكل مباشر على الأرقام المعلنة، لكن باستثنائه، كان صافي الدخل سيرتفع بنسبة 19% ليصل إلى 18.6 مليار دولار، مما يوضح قوة الأداء التشغيلي الأساسي للشركة.
على صعيد المبيعات، سجلت “ميتا” إيرادات بلغت 51.2 مليار دولار في الربع الثالث، متجاوزة بذلك متوسط توقعات المحللين البالغ 49.6 مليار دولار. هذا الأداء القوي في الإيرادات يؤكد قدرة الشركة على تحقيق نمو ملحوظ في قطاع الإعلانات الرقمية، الذي لا يزال يشكل العمود الفقري لتمويل طموحاتها المستقبلية في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي.
تعتمد الشركة بشكل كبير على أرباحها من الإعلانات لتمويل استثماراتها الطموحة في الذكاء الاصطناعي، لكنها تواجه مخاوف متزايدة من المستثمرين. يخشى هؤلاء من أن يؤدي تباطؤ محتمل في مبيعات الإعلانات إلى الحد من الحماس تجاه رؤية الرئيس التنفيذي مارك زوكربيرغ طويلة الأمد في هذا المجال، رغم تأكيدات الشركة بأن هذه الاستثمارات بدأت تؤتي ثمارها بتحسين استهداف الإعلانات والمحتوى.
يجد مارك زوكربيرغ نفسه تحت ضغط كبير لإثبات أن التزامه باستثمار مئات المليارات من الدولارات في الذكاء الاصطناعي قبل نهاية العقد سيحقق عوائد ضخمة لاحقاً. هذا الضغط يعكس التحدي الأساسي الذي يواجه شركات التكنولوجيا الكبرى: الموازنة بين الابتكار الجريء طويل الأمد وتوقعات السوق للربحية قصيرة الأجل، خاصة مع تزايد نفقات ميتا.
في خطوة تعكس استراتيجية الموازنة، تواصل “ميتا” بناء مراكز البيانات واستقطاب المواهب بتكاليف مرتفعة، بينما تعمل في الوقت نفسه على خفض النفقات في بعض الجوانب الأخرى. ففي الأسبوع الماضي، سرّحت الشركة 600 موظف من وحدة الذكاء الاصطناعي التابعة لها “ميتا سوبر إنتيليجنس لابز” (Meta Superintelligence Labs)، في محاولة لتحسين الكفاءة التشغيلية وإعادة توجيه الموارد نحو الأولويات الاستراتيجية.
نفقات رأسمالية قياسية وتوجيهات حذرة للأرباح المقبلة
توقعت الشركة أن تتراوح إيرادات الربع الرابع بين 56 و59 مليار دولار، وهو ما يتماشى مع متوسط تقديرات المحللين البالغ 57.4 مليار دولار، وفقاً لبيانات جمعتها بلومبرغ. مع الأخذ في الاعتبار أن نحو 98% من إيراداتها تأتي من مبيعات الإعلانات، فإن هذه التوقعات تعكس استمرار الاعتماد على هذا المصدر الرئيسي للتمويل، مما يبرز أهمية استقرار سوق الإعلانات الرقمية.
علق جيسي كوهين، كبير المحللين في موقع “إنفستينغ دوت كوم” (Investing.com)، قائلاً: “تكشف أرباح الربع الثالث لـ ميتا عن التوتر المتزايد بين استثمارات الشركة الضخمة في بنية الذكاء الاصطناعي التحتية وتوقعات المستثمرين لتحقيق عوائد قريبة الأجل”. هذا التحليل يلخص بدقة المعضلة التي تواجهها الشركة في إرضاء الطرفين.
وأضاف كوهين أن “ارتفاع الإنفاق المرتبط بالذكاء الاصطناعي والتوجيه الحذر للأداء المستقبلي، إلى جانب التعديلات الضريبية غير النقدية، تبرز التحديات التي تواجه ميتا في الموازنة بين التموضع الاستراتيجي طويل الأمد والربحية قصيرة المدى التي يطالب بها المستثمرون من شركات التكنولوجيا الكبرى”. هذا يبرز الحاجة الملحة لـ”ميتا” لإظهار نتائج ملموسة لاستثماراتها.
وفيما يخص الإنفاق الرأسمالي، قالت الشركة إن توقعاتها لعام 2025 ستتراوح بين 70 و72 مليار دولار، بزيادة طفيفة عن الحد الأدنى لتوقعاتها السابقة البالغة 66 مليار دولار. هذه الزيادة تؤكد حجم الالتزام المالي المطلوب لدعم البنية التحتية اللازمة لطموحاتها في مجال الذكاء الاصطناعي، مما يرفع من إجمالي نفقات ميتا.
الاستثمار بقوة لتلبية احتياجات الذكاء الاصطناعي
نبهت المديرة المالية سوزان لي في البيان إلى أنه “مع بدء التخطيط للعام المقبل، أصبح واضحاً أن احتياجاتنا الحوسبية تزداد بوتيرة تفوق توقعاتنا في الربع السابق”. هذا التصريح يشير إلى تسارع غير متوقع في متطلبات البنية التحتية، مما يفرض على الشركة إعادة تقييم خططها الاستثمارية وتخصيص المزيد من الموارد.
وأضافت لي: “ما زلنا نعمل على تحديد خططنا للقدرات، لكننا نتوقع الاستثمار بقوة لتلبية هذه الاحتياجات، من خلال بناء البنية التحتية الخاصة بنا والتعاقد مع مزودي خدمات سحابية خارجيين”. هذا النهج المزدوج يهدف إلى ضمان توفير القدرات الحاسوبية الهائلة، لكنه سيزيد من الضغط التصاعدي على نفقات ميتا الرأسمالية والمصاريف العامة في العام المقبل، مما يمثل تحديات الربحية.
من جانبه، أكد مارك زوكربيرغ في مكالمة مع المستثمرين أن “ميتا” تسعى إلى “تسريع وتيرة بناء القدرات الحاسوبية”، وذلك بهدف امتلاك قدرات حوسبة رائدة في هذا المجال. هذا الهدف الاستراتيجي يوضح سعي الشركة لتكون في طليعة المنافسة في سباق الذكاء الاصطناعي، مما يتطلب استثمارات الذكاء الاصطناعي غير المسبوقة.
خسائر “رياليتي لابس” تتواصل وسط ضعف الإيرادات
في غضون ذلك، لا تزال وحدة الأجهزة المعززة بـالذكاء الاصطناعي التابعة للشركة، والمعروفة باسم “رياليتي لابس“، تسجّل خسائر كبيرة. بلغت خسائر التشغيل 4.4 مليار دولار في الربع الثالث، مقابل إيرادات بلغت 470 مليون دولار فقط. هذه الأرقام تبرز التحديات المستمرة التي تواجهها “ميتا” في تحقيق الربحية من استثماراتها في عالم الميتافيرس والواقع المعزز، وتضيف عبئًا على نفقات ميتا الإجمالية.
وأشارت الشركة إلى أنها تتوقع انخفاض الإيرادات السنوية للوحدة في الربع الرابع، بسبب قيام شركائها في قطاع التجزئة بشراء نظارات “كويست” خلال هذا الربع استعداداً لموسم العطلات. هذا التراجع المتوقع يعكس طبيعة دورة المبيعات الموسمية، لكنه لا يقلل من حجم الخسائر التشغيلية الكبيرة للوحدة، مما يثير تساؤلات حول جدوى هذه استثمارات ميتا على المدى القصير.
تراجعت أسهم الشركة، التي تتخذ من “مينلو بارك” في كاليفورنيا مقراً لها، بنسبة 6.5% في تعاملات ما بعد الإغلاق يوم الأربعاء بعد أن أغلقت عند 751.67 دولار. ورغم هذا التراجع الأخير في سوق الأسهم، إلا أن الأسهم كانت قد ارتفعت بنسبة 28% منذ بداية العام حتى الإغلاق الأخير، مما يشير إلى تقلبات السوق وتأثرها بالتوقعات المستقبلية لـنفقات ميتا واستراتيجياتها طويلة الأمد.






