مهرجان القاهرة.. رهانات جديدة
الدورة 46 لمهرجان القاهرة السينمائي: بين العالمية والتحول الرقمي وصوت غزة

تعود أضواء القاهرة لتسطع من جديد، معلنةً انطلاق الدورة السادسة والأربعين من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي. الأجواء تبدو مختلفة هذا العام؛ فالحدث الذي ينطلق في 12 نوفمبر ليس مجرد احتفالية سنوية، بل يبدو كبيان عملي يرسم ملامح مرحلة جديدة، مرحلة توازن فيها القاهرة بين مكانتها التاريخية ومتطلبات المستقبل. إنها قصة مهرجان عريق يقرر أن يجدد شبابه.
بوصلة دولية
اختيار فيلم برازيلي-برتغالي للافتتاح، وترؤس المخرج التركي الكبير نوري بيلجه جيلان للجنة التحكيم، هي إشارات واضحة. يرى مراقبون أن المهرجان يوسع بوصلته عمدًا خارج المراكز السينمائية التقليدية، باحثًا عن شراكات فنية مع قوى سينمائية صاعدة في تركيا وأمريكا اللاتينية. هذه الخطوة لا تعزز فقط الطابع الدولي للحدث، بل تضعه في قلب حوار سينمائي عالمي أكثر تنوعًا وثراءً.
شراكة رقمية
في خطوة لافتة، أعلن المهرجان عن شراكة استراتيجية مع منصة WATCH IT. هذا التحالف يتجاوز مجرد الرعاية؛ إنه اعتراف صريح بأن مستقبل المشاهدة وصناعة المحتوى يتشكل رقميًا. بحسب محللين، تهدف هذه الشراكة إلى جسر الفجوة مع الجمهور الشاب وتوسيع نطاق المهرجان خارج قاعات العرض التقليدية. وكأن المهرجان يقول إنه مستعد للمنافسة في العصر الرقمي.
صوت من غزة
لعل القرار الأكثر تأثيرًا هو اختيار فيلم “صوت هند رجب” لختام المهرجان. لمسة إنسانية موجعة تأتي في وقتها تمامًا. هذا الاختيار ليس فنيًا فحسب، بل هو موقف إنساني وسياسي يعكس تفاعل المهرجان مع وجدان الشارع العربي. عرض قصة الطفلة الفلسطينية هند رجب في حفل الختام يبعث برسالة قوية بأن السينما لا يمكن أن تنفصل عن قضايا الإنسان الكبرى، وهو ما يمنح الدورة الحالية عمقًا استثنائيًا.
رهان المستقبل
لا يغفل المهرجان أهمية ضخ دماء جديدة في شرايين الصناعة. تخصيص برامج للمواهب الصاعدة مثل “آفاق القاهرة الجديدة” ودعم طلاب معاهد السينما يؤكد أن إدارة المهرجان تدرك أن استمرارية أي حدث كبير تكمن في قدرته على احتضان ورعاية الجيل القادم. إنه استثمار طويل الأجل في مستقبل السينما المصرية والعربية، وهو الرهان الحقيقي لضمان بقاء القاهرة كمنارة فنية في المنطقة.
في المحصلة، تبدو الدورة 46 لمهرجان القاهرة السينمائي وكأنها تخطو بثقة نحو المستقبل. هي دورة تجمع بين الانفتاح على سينما العالم، وتبني التحول الرقمي كضرورة حتمية، مع الحفاظ على ضمير إنساني متصل بقضايا المنطقة. إنها محاولة جادة لتأكيد أن هذا المهرجان العريق لا يزال قادرًا على طرح الأسئلة الصحيحة وتقديم إجابات سينمائية ملهمة.
