اقتصاد

مصر 2025: عام الإنجازات الكبرى في الطاقة المتجددة والربط الكهربائي الإقليمي

محطات رياح عملاقة، ربط كهربائي مع السعودية، وحوافز الهيدروجين الأخضر تدفع مصر نحو ريادة الطاقة النظيفة.

صحفية في قسم الاقتصاد بمنصة النيل نيوز، تتابع تطورات الأعمال والاستثمار وتحرص على تقديم معلومات دقيقة وموثوقة

شهد عام 2025 تحولاً نوعياً في مسيرة قطاع الطاقة المصري، محولاً الخطط الاستراتيجية الطموحة إلى إنجازات ملموسة. تميز هذا العام بدخول محطات رياح عملاقة الخدمة التجارية، وبدء التشغيل التجريبي لأحد أبرز مشاريع الربط الكهربائي الإقليمي مع المملكة العربية السعودية. كما شهد توقيع اتفاقيات تمويلية ضخمة لمشاريع الهيدروجين الأخضر، مما عزز قدرة الشبكة القومية ورفع مساهمة الطاقة النظيفة بشكل ملحوظ، دعماً لهدف الدولة في بلوغ 42% طاقة متجددة بحلول عام 2030.

وتؤكد التقديرات نجاح القيادة السياسية المصرية في تحويل التحديات الاقتصادية العالمية والمحلية إلى فرص استثمارية جاذبة. تجاوزت الاستثمارات المستهدفة لقطاع الكهرباء والطاقة المتجددة في خطة العام المالي الحالي 136 مليار جنيه، ما يعكس الأولوية القصوى لهذه الملفات ضمن رؤية مصر للتنمية المستدامة. تكللت هذه الجهود بإضافة نحو 2 جيجاوات من القدرات المتجددة الجديدة خلال عام واحد، وهو معدل نمو يضع مصر في صدارة دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في سرعة التحول الطاقي.

وفي سياق متصل، كشف تقرير «توقعات سوق الكهرباء في مصر حتى عام 2035» الصادر عن «جلوبال داتا» عن طفرة نمو قوية يشهدها السوق المصري، مدعومة بالسياسات الحكومية والسوق التنافسي. ويتوقع التقرير أن ترتفع القدرة الإنتاجية للطاقة المتجددة في مصر إلى 31.6 جيجاوات بحلول عام 2035، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 20.4% خلال الفترة من 2024 إلى 2035.

كما يرجح التقرير ذاته ارتفاع إنتاج الكهرباء السنوي من المصادر المتجددة بمعدل نمو سنوي مركب قدره 19.4%، ليصل إجمالي الإنتاج إلى 88.9 تيراواط/ساعة بنهاية فترة التوقعات، ما يؤكد التزام الحكومة المصرية بتحقيق أهدافها الطموحة في مجال الطاقة المتجددة والتحول نحو مستقبل أكثر استدامة.

وتأتي الإنجازات المحققة في قطاع الطاقة المتجددة خلال عام 2025 ثمرة لبيئة تشريعية متطورة، باتت أكثر جاذبية ومرونة في السنوات الأخيرة. ساعد ذلك على تسريع الموافقات المالية للمشاريع وجذب شركات عالمية كبرى. شهد العام ترسيخاً للمستهدفات الوطنية الطموحة ضمن استراتيجية الطاقة المتكاملة والمستدامة، حيث أكدت الحكومة التزامها برفع مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء إلى 42% بحلول 2030، مع هدف استراتيجي بعيد المدى لبلوغ 60% بحلول 2040.

ارتكز هذا التطور على دراسات دقيقة لأحمال الشبكة واحتياجات التنمية الصناعية. فقد أظهرت التقارير الرسمية أن القدرات المخطط إضافتها حتى عام 2030 ستتجاوز 25 جيجاوات، مقسمة استراتيجياً لضمان تنوع المصادر وتوازن الإنتاج. دعم هذا الالتزام بآليات تنفيذية واضحة، منها تخصيص أراضٍ شاسعة لهيئة الطاقة الجديدة والمتجددة، وتحديث المخطط العام للشبكة الكهربائية لاستيعاب القدرات المتقلبة عبر تعزيز تقنيات التخزين والشبكات الذكية.

كما كان عام 2025 شاهداً على جني ثمار قانون حوافز مشروعات الهيدروجين الأخضر ومشتقاته، الذي صدر في العام السابق. تحولت الحوافز إلى واقع ملموس، حيث استفادت الشركات العالمية والمحلية من حزمة شاملة تضمنت خصومات ضريبية تتراوح بين 33 و55%، بالإضافة إلى إعفاءات جمركية كاملة للمعدات والآلات المستوردة.

برزت “الرخصة الذهبية” كأداة بالغة الفعالية في قطاع الطاقة المتجددة خلال العام المنصرم. حصلت كيانات كبرى، مثل شركة مصر للأمونيا الخضراء وشركة مصر للهيدروجين الأخضر، على هذه الرخصة التي تمثل موافقة شاملة واحدة من مجلس الوزراء، وتغني عن كافة الموافقات الأخرى المتعلقة بتخصيص الأراضي وتراخيص البناء والتشغيل. أسهم ذلك بشكل كبير في تقليص الجداول الزمنية لتطوير المشاريع، وسمح ببدء الإنشاءات في مشروعات الهيدروجين والأمونيا بوتيرة أسرع بكثير من المعتاد.

وفي سياق متصل، استمرت الحكومة المصرية في الاعتماد على منصة «نوفي» (NWFE)، التي تربط بين محاور المياه والغذاء والطاقة، كآلية رئيسية لحشد التمويل المناخي. أظهر التقرير الثاني للتقدم في البرنامج، الصادر في مارس الماضي، نجاحاً ملموساً في محور الطاقة، حيث حققت مصر تقدماً كبيراً في خطة إيقاف تشغيل المحطات الحرارية المتقادمة بقدرة إجمالية 5 جيجاوات واستبدالها بقدرات متجددة حديثة. كما جرى تفعيل شريحة جديدة من مبادلة الديون مع ألمانيا بقيمة 50 مليون يورو خلال العام، وُجهت بالكامل لدعم تطوير شبكة النقل اللازمة لربط مشروعات الطاقة المتجددة الجديدة.

تصدرت طاقة الرياح قائمة الإنجازات البارزة في عام 2025، مستفيدة من الموارد الطبيعية الاستثنائية في منطقة خليج السويس، التي تتمتع بسرعات رياح مستمرة تتراوح بين 8 و10 أمتار في الثانية على ارتفاع 100 متر، ما يجعلها من أفضل مواقع الرياح عالمياً. شهد هذا العام اكتمال وتشغيل مجمعات رياح تعد من الأكبر على مستوى العالم، مما يرسخ مكانة مصر كدولة رائدة في استغلال هذا المورد النظيف.

في مايو 2025، بدأت مزرعة رياح «آمونت» عمليات التشغيل التجاري رسمياً. يقع المشروع في منطقة رأس غارب بقدرة 500 ميجاوات، ويُعد نموذجاً ناجحاً لنظام إنتاج الطاقة المستقل. المشروع مملوك لشركة “آمونت” لطاقة الرياح، وهي تحالف بين شركة «إيميا باور» الإماراتية (60%) وشركة «سوميتومو كوربوريشن» اليابانية (40%).

جُهزت المحطة بـ 77 توربينة رياح متطورة من طراز «إنفيجن»، بقدرة 6.5 ميجاوات للتوربينة الواحدة، بهدف تعظيم كفاءة استخدام الأراضي وتقليل التكاليف التشغيلية على المدى الطويل. تبيع المحطة كامل إنتاجها من الكهرباء للشركة المصرية لنقل الكهرباء بموجب اتفاقية شراء طاقة لمدة 25 عاماً. وتعتبر “آمونت” أول مشروع كبير لطاقة الرياح بشراكة يابانية في مصر، ما يفتح آفاقاً واسعة لمزيد من الاستثمارات الضخمة في القطاع.

وفي يونيو 2025، أعلنت شركة «إنجي» الفرنسية وشركاؤها عن التشغيل الكامل لمحطة رياح البحر الأحمر بقدرة إجمالية 650 ميجاوات، بعد إضافة توسعة بقدرة 150 ميجاوات قبل الموعد المحدد. تُصنف هذه المحطة كأكبر مزرعة رياح تشغيلية في القارة الإفريقية، وتسهم في تلبية احتياجات الطاقة لأكثر من 1.1 مليون وحدة سكنية، مع خفض انبعاثات الكربون بنحو 1.3 مليون طن سنوياً.

وبينما كانت المشاريع السابقة تدخل الخدمة، تسارعت وتيرة العمل في مشروع رياح السويس العملاق. ففي يناير 2025، حققت شركة «أكوا باور» السعودية، بالتعاون مع شركة حسن علام للمرافق، الإغلاق المالي لمشروع رياح السويس بقدرة 1.1 جيجاوات، باستثمارات ضخمة بلغت 1.1 مليار دولار. ومن المقرر أن يستخدم المشروع توربينات رياح متطورة بارتفاعات شاهقة لتعظيم الإنتاجية والاستفادة القصوى من الرياح القوية بالمنطقة.

تميز عام 2025 أيضاً بتحول جوهري في فلسفة مشروعات الطاقة الشمسية بمصر. لم يعد التركيز مقتصراً على زيادة عدد الألواح والقدرات المركبة، بل انتقل استراتيجياً إلى دمج حلول تخزين الطاقة المتطورة لضمان استقرار الشبكة الكهربائية، وتحويل الطاقة الشمسية إلى مصدر قابل للتحكم يمكن الاعتماد عليه في أوقات الذروة المسائية.

تستفيد مصر من وفرة الإشعاع الشمسي، حيث تتلقى ما بين 2800 و3200 ساعة سطوع سنوياً، مع تعرض يومي يتراوح بين 9 و11 ساعة. هذه الظروف المناخية المثالية تجعل من مصر موقعاً استراتيجياً لتطوير مشاريع الطاقة الشمسية على نطاق واسع.

في يوليو 2025، شهدت تكنولوجيا الطاقة المصرية نقلة نوعية مع تشغيل أول نظام لتخزين الطاقة بالبطاريات على نطاق المرافق في مصر. النظام ملحق بمحطة «أبيدوس» للطاقة الشمسية بقدرة 500 ميجاوات في كوم أمبو بأسوان. يتمتع النظام، الذي طورته وتديره شركة «إيميا باور»، بسعة تخزينية تبلغ 300 ميجاوات ساعة، ويعمل على تخزين فائض الطاقة المولدة نهاراً لإعادة ضخها في الشبكة الوطنية خلال ساعات الذروة المسائية.

يمثل هذا المشروع نموذجاً ناجحاً يمهد الطريق لتعميم تكنولوجيا البطاريات في المناقصات والمشاريع المستقبلية، حيث أثبت جدواه الفنية والاقتصادية في تحسين كفاءة الشبكة وتقليل الاعتماد على محطات الغاز الطبيعي، مما يوفر ملايين الدولارات من تكاليف الوقود ويقلل من الانبعاثات الكربونية.

وفي خطوة موازية تعكس ريادة مصر في تبني حلول الطاقة المبتكرة والمتكاملة، بدأت شركة «سكاتك» النرويجية في مايو 2025 أعمال البناء الفعلية لمشروع «أوبيليسك» في نجع حمادي. يتكون المشروع من محطة طاقة شمسية بقدرة 1.1 جيجاوات من التيار المتردد، مدمجة بالكامل مع نظام تخزين بطاريات متطور بقدرة 100 ميجاوات وسعة تخزينية 200 ميجاوات ساعة.

شهد عام 2025 انضمام شركاء استراتيجيين جدد للمشروع، حيث استحوذ صندوق الاستثمار النرويجي «نورفوند» على حصة 25%، بينما دخلت شركة «إي دي إف باور سوليوشنز» الفرنسية كشريك استراتيجي بحصة 20% في شركة التشغيل. وفر ذلك السيولة المالية اللازمة لتسريع وتيرة الإنشاءات. يستهدف المشروع دخول المرحلة الأولى بقدرة 561 ميجاوات شمسية مع نظام البطاريات الكامل حيز التشغيل الفعلي في النصف الأول من عام 2026، لكن الأعمال الأساسية وتركيبات البنية التحتية تمت بوتيرة متسارعة جداً خلال العام الجاري، متجاوزة التوقعات الأولية.

لم تقتصر جهود مصر في عام 2025 على إنتاج الطاقة النظيفة فحسب، بل امتدت بالتوازي لتعزيز نقلها محلياً وإقليمياً. حققت البلاد خطوات تاريخية غير مسبوقة في ملف الربط الكهربائي الدولي، ما يرسخ مكانتها كمركز إقليمي لتبادل الطاقة.

وبعد سنوات طويلة من الدراسات والإنشاءات الضخمة، تحول مشروع الربط الكهربائي بين مصر والسعودية إلى واقع ملموس في عام 2025. بدأت تجارب التشغيل الأولية، وتوجت الجهود ببدء التشغيل التجاري الفعلي للمرحلة الأولى بقدرة 1500 ميجاوات في يونيو 2025.

يعتمد المشروع على تقنية التيار المستمر عالي الجهد لنقل الكهرباء لمسافة تتجاوز 1350 كيلومتراً بين محطتي بدر في مصر وتبوك في السعودية، عبر كابلات بحرية متطورة وخطوط هوائية ضخمة.

يتيح هذا الربط الاستراتيجي تبادل الطاقة في أوقات الذروة المختلفة بين البلدين؛ فذروة الاستهلاك مسائية في مصر وذروة ظهيرة في السعودية. يعزز ذلك استقرار الشبكة المصرية ويفتح آفاقاً واسعة لتصدير فائض الطاقة المتجددة إلى الأسواق الخليجية والآسيوية، مما يعظم العوائد الاقتصادية لمشاريع الطاقة المتجددة في مصر.

وعلى الصعيد المحلي، استثمرت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة مليارات الجنيهات خلال عام 2025 لرفع كفاءة الشبكة القومية، بهدف استيعاب القدرات الجديدة المضافة من المصادر المختلفة. انتهت الوزارة من إنشاء وتوسعة محطات محولات جهد 500 كيلوفولت في مناطق الإنتاج الجديدة، خاصة في بنبان ونجع حمادي وغرب سوهاج، لضمان تفريغ كامل قدرات مشروعات القطاع الخاص دون خسائر أو اختناقات. كما زادت أطوال شبكات الجهد الفائق لتتجاوز 8250 كيلومتراً، مما عزز قدرة الشبكة على نقل الطاقة من مناطق الإنتاج في الجنوب والشرق إلى مراكز الاستهلاك الكثيفة في الشمال والدلتا.

شهد عام 2025 تحولاً جذرياً في مجال الهيدروجين الأخضر، من مرحلة التخطيط إلى مرحلة العقود التجارية الملزمة والقرارات الاستثمارية النهائية. ركزت الحكومة والمستثمرون على المشاريع ذات الجدوى الاقتصادية، ليتجاوز هذا التحول نحو الطاقة المتجددة مجرد توليد الكهرباء، ويصبح محركاً اقتصادياً وبيئياً شاملاً يعيد تشكيل مستقبل الطاقة في مصر.

يسهم الاعتماد على الطاقات المتجددة في توفير الغاز الطبيعي، مما يمكّن الدولة من الحفاظ على عائدات النقد الأجنبي عبر استمرار تصديره بدلاً من استهلاكه محلياً في محطات التوليد التقليدية. لا تفتح هذه المشاريع قنوات تصدير جديدة فحسب، بل تضع مصر كمركز إقليمي لإنتاج وقود المستقبل النظيف.

حقق تحالف شركات «فيرتيجلوب» و«سكاتك» و«أوراسكوم للإنشاءات» تقدماً كبيراً في مشروع الهيدروجين الأخضر بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس. دخل عقد توريد الأمونيا الخضراء إلى أوروبا حيز التفعيل الإجرائي الكامل هذا العام، بعد الفوز بعقد مؤسسة «إتش تو جلوبال» الألمانية. يضمن هذا العقد توريد ما يصل إلى 397 ألف طن من الأمونيا الخضراء بسعر مدعوم يصل إلى ألف يورو للطن، مما يجعله المشروع الأكثر قابلية للتمويل وجاذبية للبنوك في المنطقة بأكملها.

عززت مصر مكانتها في قطاع الهيدروجين الأخضر خلال عام 2025 بتوقيع اتفاقيات ملزمة، أبرزها الشراكة المصرية-الفرنسية باستثمارات 7 مليارات يورو لإنتاج الأمونيا الخضراء وتصديرها إلى الأسواق الأوروبية.

وعلى صعيد التوسع في الشراكات الدولية، وقعت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس اتفاقيات تعاون استراتيجية مهمة مع شركاء يابانيين، منهم محافظة طوكيو وشركة «تويوتا تسوشو». تهدف هذه الاتفاقيات إلى التعاون في مجالات تموين السفن بالوقود الأخضر وتطوير البنية التحتية اللازمة لذلك. تضع هذه الشراكات مصر على خريطة الموانئ الخضراء العالمية، وتجعل من قناة السويس ممراً أخضر للملاحة الدولية.

وعلى الصعيد البيئي، تسهم هذه المشاريع بشكل مباشر في الحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وتقليل البصمة الكربونية للاقتصاد المصري. فمحطات الرياح الجديدة وحدها تسهم في خفض 1.3 مليون طن من انبعاثات الكربون سنوياً، ما يعزز التزام مصر بالاتفاقيات الدولية للمناخ ويضعها في موقع ريادي ضمن جهود المنطقة لمواجهة التغير المناخي.

أكد عام 2025 امتلاك قطاع الطاقة المتجددة في مصر ديناميكية عالية وقدرة على استيعاب المشاريع الكبرى. فمن خلال دمج طاقة الرياح والشمس مع حلول التخزين المتطورة، وتفعيل الربط الإقليمي، وتوطين صناعات الهيدروجين، تضع مصر نفسها كلاعب محوري في أمن الطاقة العالمي. يعد هذا الإنجاز ثمرة تخطيط استراتيجي، وبيئة تشريعية محفزة، وشراكات دولية موثوقة، مما يجعل هذا العام نقطة انطلاق حقيقية نحو مستقبل طاقة مستدام.

مقالات ذات صلة