لقاء الشرع وبوتين: موسكو ترسم مستقبل علاقاتها مع سوريا الجديدة

في خطوة ترسم ملامح مرحلة جديدة، يتجه الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو للقاء نظيره الروسي فلاديمير بوتين للمرة الأولى. يأتي هذا اللقاء في وقت تسعى فيه الدولتان لإعادة تعريف أسس العلاقات السورية الروسية بعد سقوط نظام بشار الأسد، الذي كان يعد الحليف الاستراتيجي الأبرز للكرملين في المنطقة.
كانت موسكو قد خططت لعقد قمة روسية-عربية، لكنها ألغيت بعد تأكيد عدد محدود من القادة العرب حضورهم، من بينهم الشرع. هذا التطور يعكس حالة من إعادة التموضع الدبلوماسي في المنطقة، حيث تتعامل العواصم المختلفة بحذر مع النظام السوري الجديد، فيما تمضي موسكو منفردة لترتيب أوراقها مباشرة مع دمشق.
وأعلنت وكالة الأنباء السورية “سانا” أن زيارة الشرع الرسمية الأولى لروسيا ستبدأ الأربعاء، حيث سيبحث مع بوتين سبل تطوير التعاون الثنائي والقضايا الإقليمية والدولية. ويأتي هذا اللقاء بعد اجتماع تمهيدي بين بوتين ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في يوليو الماضي، والذي وصفه الأخير بأنه “بداية عصر جديد من التفاهم السياسي والعسكري”.
موسكو وإعادة تموضع استراتيجي
دعمت روسيا نظام الأسد بقوة خلال الحرب الأهلية السورية، لكنها وقفت على الحياد بشكل لافت عندما قادت “هيئة تحرير الشام” بقيادة الشرع هجومًا سريعًا أطاح بالنظام في ديسمبر. هذا الموقف يشي بأن موسكو تعطي الأولوية لمصالحها الاستراتيجية طويلة الأمد على حساب الولاءات الشخصية، وهو ما يفسر سرعتها في التكيف مع الواقع الجديد.
في إشارة إلى تغير موازين القوى، طالبت الحكومة السورية الجديدة في يناير الماضي بتعويضات من وفد روسي، وهو ما أعقبه تعهد من بوتين بتقديم مساعدات إنسانية واستعداد بلاده لمراجعة الاتفاقيات الموقعة مع النظام السابق. هذه الديناميكية الجديدة تظهر أن دمشق لم تعد مجرد تابع، بل طرف يسعى لفرض شروطه في ملف إعادة إعمار سوريا.
صراع النفوذ على الساحة السورية
تكمن الأهمية الاستراتيجية لسوريا بالنسبة لموسكو في الحفاظ على وجودها العسكري المتمثل في ميناء طرطوس البحري وقاعدة حميميم الجوية، وهما ركيزتان أساسيتان لـ نفوذ روسيا في سوريا والشرق الأوسط. في المقابل، تسعى الولايات المتحدة وأوروبا لسحب سوريا نحو المعسكر الغربي، وتقليص نفوذ إيران وروسيا.
وتجلت هذه المنافسة في اللقاءات التي جمعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع الشرع، وتخفيف العقوبات الأمريكية والأوروبية. هذه التحركات تمثل محاولة لتقديم بدائل اقتصادية وسياسية للنظام الجديد، ووضعه أمام خيارات تتجاوز الاعتماد الحصري على موسكو.
وفي خضم هذا الصراع، يبرز الموقف الروسي الرافض لأي تدخل إسرائيلي في سوريا، وهو ما أكده بوتين خلال لقائه بالشيباني. يأتي هذا التأكيد في وقت كثفت فيه إسرائيل غاراتها الجوية وتدخلها في جنوب غرب البلاد، مما يضع روسيا في موقع الحكم الذي يسعى لضبط إيقاع الصراع ومنع خروجه عن السيطرة، حفاظًا على استقرار مصالحها.









