توترات التجارة الصينية الأمريكية تهز وول ستريت وتنعش رهانات خفض الفائدة

عادت التوترات التجارية بين الصين والولايات المتحدة لتلقي بظلالها على الأسواق العالمية، حيث شهدت “وول ستريت” جلسة متقلبة يوم الثلاثاء، تراجعت فيها مؤشرات الأسهم الرئيسية. وفي المقابل، عززت تصريحات رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي من التوقعات بخفض وشيك لأسعار الفائدة، ما خلق حالة من التجاذب بين المخاوف الجيوسياسية والآمال في سياسة نقدية أكثر تساهلاً.
تصعيد مفاجئ يهبط بالأسهم
تراجع مؤشر “إس آند بي 500” بعد تعافٍ مؤقت، متأثراً بتصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترمب ألمح فيها إلى إمكانية وقف تجارة زيت الطهي مع الصين. أضافت هذه التصريحات جرعة جديدة من عدم اليقين للعلاقات المتوترة بالفعل بين أكبر اقتصادين في العالم، خاصة أنها تزامنت مع فرض بكين عقوبات على وحدات أمريكية تابعة لعملاق شحن كوري جنوبي، في خطوة تصعيدية ضمن نزاع الهيمنة البحرية.
أدت هذه التطورات إلى موجة بيع شملت الأسهم والعملات المشفرة والنفط، بينما لجأ المستثمرون إلى الملاذات الآمنة التقليدية مثل الذهب وبعض العملات الرئيسية. وفي هذا السياق، يرى مات مالي من شركة “ميلر تاباك” أن “قضية الرسوم والتجارة هي التي سببت المشكلات لسوق الأسهم هذا العام، وبالتالي سيراقب الجميع تطوراتها عن كثب”.
الفيدرالي يلمح لتغيير مسار السياسة النقدية
على الجانب الآخر، قدمت تصريحات رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول دعماً معنوياً للأسواق. حيث عززت كلماته الرهانات على خفض أسعار الفائدة في اجتماع أكتوبر المقبل، لا سيما في ظل ظهور مؤشرات على ضعف في سوق العمل. هذا التلميح يعكس تحولاً في أولويات البنك المركزي، الذي يبدو أكثر قلقاً الآن بشأن النمو الاقتصادي المحتمل.
ولم يقتصر الأمر على الفائدة، بل أشار باول أيضاً إلى أن البنك قد يوقف قريباً عملية تقليص ميزانيته العمومية الضخمة، وهي خطوة حاسمة للحفاظ على السيولة في أسواق التمويل قصيرة الأجل. ويُنظر إلى هذا الإجراء، المعروف بإنهاء “التشديد الكمي”، على أنه إشارة قوية على استعداد الفيدرالي لتوفير الدعم للنظام المالي.
مشهد استثماري معقد
يواجه جيروم باول وفريقه معضلة دقيقة، حيث أن خفض الفائدة قد يؤدي إلى تسارع التضخم، بينما الإبقاء عليها مرتفعة يهدد سوق العمل المتراجع. هذا التوازن الصعب يضع المستثمرين أمام مشهد مليء بالتناقضات: ضعف في بيانات التوظيف، غموض في السياسات التجارية، مستهلك لا يزال متماسكاً، وأساسيات قوية للشركات.
رغم الأداء الإيجابي للأسواق خلال الأشهر الماضية، يرى سكوت هلفستين من “غلوبال إكس” أن تراجعاً طفيفاً قد يكون “أمراً صحياً” لتصحيح المسار. ورغم أن الصورة العامة لا تزال إيجابية، إلا أن المستثمرين مدعوون للاستعداد لسيناريوهات متعددة في ظل سعي الفيدرالي لإبقاء كل الخيارات مطروحة على الطاولة.
مخاوف “فقاعة” الذكاء الاصطناعي تتصاعد
في سياق متصل، كشف استطلاع حديث لـ”بنك أوف أميركا” أن نسبة قياسية من مديري الصناديق العالميين يعتقدون أن أسهم الذكاء الاصطناعي دخلت مرحلة “الفقاعة” بعد الارتفاعات الهائلة هذا العام. وأظهر الاستطلاع أن 54% من المشاركين يرون أن أسهم التكنولوجيا أصبحت باهظة الثمن، وهو تحول كبير عن الشهر الماضي.
هذه المخاوف ليست محصورة في أوساط المستثمرين فقط، بل امتدت إلى كبار المسؤولين التنفيذيين. فقد صرح مارك ماسون، المدير المالي في “سيتي غروب”، بأنه “من الصعب ألا نرى بعض المبالغة في قطاعات مختلفة”، معتبراً أن تقييمات بعض الأسهم ومضاعفاتها قد تكون “فقاعية”.
موسم الأرباح.. الأنظار على عمالقة التكنولوجيا
انطلق موسم الأرباح للربع الثالث بنتائج قوية من المؤسسات المالية الكبرى، ما بعث بعض الطمأنينة في الأسواق. ويأمل المستثمرون أن تساهم نتائج الشركات في تحقيق الاستقرار، خاصة وأن الأسواق تميل تاريخياً إلى تجاوز التوقعات، وهو ما حدث في أبريل الماضي وسط تقلبات مماثلة.
وبعيداً عن البنوك، ستتركز الأنظار بشكل خاص على قطاع التكنولوجيا، وتحديداً الشركات الكبرى المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. يسعى المستثمرون للحصول على تأكيد بأن الإنفاق الرأسمالي الضخم على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي سيؤتي ثماره، وأن دورة الإنفاق لا تزال نشطة، لتبديد المخاوف المتزايدة من وجود فقاعة في القطاع.











