صحة

فخ «النقاء الغذائي».. كيف تحول هوس الأكل الصحي إلى اضطراب نفسي يهدد الملايين؟

مؤثرون يروجون لـ «نقاء الطعام» وأطباء يحذرون من اضطرابات نفسية المنشأ

صحفية في قسم الصحة بمنصة النيل نيوز، تتابع الأخبار الطبية وتنقلها للجمهور بلغة واضحة

يواجه مستخدمو منصات التواصل الاجتماعي تهديداً صحياً متصاعداً يختبئ خلف شعارات «الأكل النظيف»، حيث تحول السعي نحو جودة الغذاء من ممارسة وقائية إلى اضطراب نفسي يُعرف باسم «أرثوريكسيا» أو هوس الغذاء الصحي. هذا الهوس، الذي يتجاوز الرغبة التقليدية في إنقاص الوزن، يرتكز على فكرة «نقاء» الطعام، مما يدفع الأفراد إلى فرض قيود صارمة تعزلهم اجتماعياً وتؤذيهم جسدياً، في مفارقة حادة تجعل من البحث عن الصحة طريقاً للمرض.

وتشير المعطيات الطبية إلى أن هذا النمط يتغذى على ثقافة «الكمال الرقمي»، حيث حلّ «مؤثرو العافية» محل الأطباء في تقديم نصائح غذائية غير مستندة إلى علم، بينما يغيب التمييز بين التغذية المتوازنة وبين الهوس المرضي بالقواعد الغذائية. تاريخياً، ارتبطت اضطرابات الأكل مثل «الأنوركسيا» بشكل الجسم، لكن النسخة الحديثة من هذه الاضطرابات تتعلق بالمعايير الأخلاقية والمثالية لنوعية الطعام، وهو ما يعكس تحولاً في الضغوط النفسية المعاصرة من «الشكل» إلى «الجودة المطلقة».

تتضمن ممارسات هوس الغذاء الصحي وضع قواعد متشددة لتصنيف الأطعمة بين «جيدة» و«سيئة»، والشعور بالذنب الشديد أو القلق عند كسر هذه القواعد، بالإضافة إلى قضاء ساعات طويلة في التخطيط للوجبات وتجنب المناسبات الاجتماعية التي تتضمن طعاماً لا يطابق المعايير الشخصية الصارمة، وهو ما يؤدي في النهاية إلى تدهور جودة الحياة رغم المحاولات المستمرة لتحسينها.

تقول البروفيسور جيما شارب، رئيسة أبحاث اضطرابات الأكل بجامعة أديليد، إن الخط الفاصل بين التغذية المتوازنة والممارسات المقيدة بشكل مفرط بات يزداد ضبابية. وتوضح أن هذه السلوكيات ترتبط غالباً بسمات الشخصية الكمالية والقلق، في حين تلعب الوراثة والضغوط الاجتماعية دوراً في زيادة احتمالية الإصابة بهذه الاضطرابات التي لم تُصنف بعد رسمياً كمرض نفسي مستقل، لكنها تتقاطع مع اضطرابات الأكل السريرية.

تؤدي «سلوكيات الأكل المضطربة» إلى مخاطر جسدية ونفسية حادة تشمل سوء التغذية الناتج عن الحرمان من مجموعات غذائية كاملة، والعزلة الاجتماعية الناتجة عن الخوف من الطعام «غير النقي»، فضلاً عن اضطراب تقدير الذات الذي يصبح مرتبطاً حصراً بما يتناوله الشخص، مما يجعله عرضة لدوامة من الحرمان والشعور بالفشل.

توصي النصائح المهنية بضرورة التدخل عند ملاحظة تحول الغذاء إلى مصدر للتوتر بدلاً من الطاقة، مع التركيز على دعم المصابين من خلال استشارة المتخصصين الصحيين وتجنب الجدال حول القواعد الغذائية، بالتزامن مع تزايد الدعوات لضبط المحتوى الصحي على المنصات الرقمية لتقليل حدة الرسائل التي تربط «النقاء الغذائي» بالقيمة الإنسانية.

مقالات ذات صلة