عرب وعالم

غواصة “خاباروفسك”.. روسيا تعيد رسم قواعد الردع النووي تحت الماء

غواصة خاباروفسك الروسية: حاملة "طوربيد يوم القيامة" التي تُقلق حسابات الناتو الاستراتيجية.

صحفية في قسم عرب وعالم بمنصة النيل نيوز،

غواصة “خاباروفسك”.. روسيا تعيد رسم قواعد الردع النووي تحت الماء

في خطوة تعكس تحولًا عميقًا في العقيدة البحرية الروسية، أزاحت موسكو الستار عن أحدث أسلحتها الاستراتيجية، غواصة خاباروفسك النووية، في حفل أقيم بحوض بناء السفن “سيفماش”. لم يكن الحضور الرفيع لوزير الدفاع أندريه بيلوسوف وقائد البحرية الأدميرال ألكسندر مويسيف مجرد إجراء بروتوكولي، بل كان رسالة واضحة بأن هذا السلاح يمثل أولوية قصوى في استراتيجية الردع النووي الروسية للمرحلة المقبلة.

مفهوم “السفينة الأم”: نقلة نوعية في الحرب البحرية

تتجاوز “خاباروفسك”، المصنفة ضمن مشروع 09851، مفهوم الغواصات التقليدية. فبدلاً من كونها منصة لإطلاق الصواريخ الباليستية، صُممت لتعمل كـ”سفينة أم” قادرة على حمل ونشر ما يصل إلى ست مركبات “بوسيدون” النووية المسيرة تحت الماء. هذا التصميم الهجين يدمج بين المنصات المأهولة وغير المأهولة، ما يمنح البحرية الروسية مرونة عملياتية وقدرة على الوصول إلى أهداف كان من الصعب استهدافها سابقًا، ويضيف بُعدًا جديدًا لمعادلات القوة في أعماق المحيطات.

بدأ العمل على الغواصة في عام 2014، قبل سنوات من إعلان الرئيس فلاديمير بوتين الرسمي عن تطوير طوربيد “بوسيدون” العابر للقارات، ما يشير إلى أن المشروع جزء من رؤية استراتيجية طويلة الأمد، وليس مجرد رد فعل تكتيكي. ومع دخولها الآن مرحلة التجارب البحرية المعقدة، يترقب العالم العسكري نتائج اختباراتها، خاصة تلك المتعلقة بآليات الإطلاق والتحكم في أسراب الطوربيدات النووية.

تحدٍ جديد لتوازنات القوى وحلف الناتو

يمثل ظهور غواصة خاباروفسك تحديًا مباشرًا لأنظمة الدفاع والمراقبة البحرية للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو). فالقدرة على نشر أسلحة نووية مستقلة وبطيئة الحركة ولكن بعيدة المدى، تُعقّد بشكل كبير مهام الحرب المضادة للغواصات، التي كانت تركز تقليديًا على رصد الغواصات الصاروخية الكبيرة ذات البصمة الصوتية المعروفة.

بحسب الخبير في الشؤون العسكرية، أحمد قنديل، فإن “‘خاباروفسك’ ليست مجرد غواصة، بل هي منصة متحركة قادرة على تجاوز شبكات الدفاع الصاروخي التقليدية، وتهديد الأهداف الساحلية الحيوية للخصم بأسلحة يصعب اعتراضها، ما يمنح موسكو ورقة ضغط استراتيجية غير مسبوقة”. ويُرجّح مراقبون أن يدفع هذا التطور دول الناتو إلى تسريع استثماراتها في تقنيات الرصد في الأعماق السحيقة وشبكات المراقبة القاعية لمواجهة هذا التهديد النوعي.

دلالات استراتيجية بعيدة المدى

لا يمثل إطلاق غواصة خاباروفسك مجرد إضافة قطعة جديدة إلى الترسانة البحرية الروسية، بل هو تجسيد لتطور فلسفة الردع النووي لدى موسكو. ففي ظل تآكل معاهدات الحد من التسلح التقليدية، يبدو أن روسيا تراهن على أسلحة غير متماثلة لضمان قدرتها على توجيه “الضربة الثانية”، وتأكيد نفوذها في مسارح عمليات حيوية مثل القطب الشمالي والمحيط الهادئ.

في المحصلة، فإن دخول “خاباروفسك” مرحلة الاختبارات يفتح فصلًا جديدًا في سباق التسلح تحت الماء. لم تعد المواجهة تقتصر على سرعة الغواصات وقدرتها على التخفي، بل امتدت لتشمل القدرة على نشر أسلحة ذكية ومستقلة، وهو ما يعيد تشكيل ملامح الصراع البحري ويضع الجميع أمام واقع استراتيجي أكثر تعقيدًا وغموضًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *