معادلة الردع تتغير.. كيف حيدت صواريخ ‘إسكندر’ الروسية دفاعات ‘باتريوت’ في أوكرانيا؟
تحليل يكشف كيف تفوقت التكتيكات الروسية على التكنولوجيا الغربية في سماء أوكرانيا، وماذا يعني ذلك لمستقبل الحرب.

في تطور لافت يعكس ديناميكية السباق التكنولوجي في الحرب الأوكرانية، كشفت تقارير ميدانية عن تراجع حاد في قدرة أنظمة الدفاع الجوي الغربية على اعتراض الصواريخ الروسية، وتحديدًا صواريخ إسكندر الباليستية. فبعد أن كانت نسبة اعتراضها تصل إلى 34%، هوت إلى ما دون 6% منذ سبتمبر الماضي، مما يطرح تساؤلات جدية حول فعالية منظومات مثل “باتريوت” الأمريكية في مواجهة التكتيكات الروسية المبتكرة.
تكتيكات المراوغة.. سباق العقول التكنولوجي
يكمن سر التفوق الروسي في سلسلة من التعديلات الذكية التي أدخلتها موسكو على صواريخ إسكندر-M. فبدلاً من اتباع مسار باليستي تقليدي يمكن التنبؤ به، أصبحت هذه الصواريخ تتبع ما يُعرف بـ“المسار شبه الباليستي”، حيث تغير اتجاهها بشكل مفاجئ خلال مرحلة الطيران النهائية. هذه المناورة تربك خوارزميات أنظمة الدفاع الجوي التي تعتمد على حساب نقطة الاعتراض المستقبلية، مما يقلص نافذة الاستجابة إلى ثوانٍ معدودة.
ولم يتوقف الابتكار الروسي عند هذا الحد، بل تم تزويد صواريخ إسكندر بقدرة على إطلاق “شراك خداعية” (Decoys) قبيل الوصول إلى الهدف. تعمل هذه الأجسام على تضليل رادارات “باتريوت” عبر بث إشارات كاذبة، مما يزيد من احتمالية انطلاق الصاروخ الاعتراضي نحو هدف وهمي، بينما يكمل صاروخ إسكندر طريقه نحو هدفه الحقيقي. هذا التكتيك المزدوج يمثل تحديًا كبيرًا لأحد أكثر أنظمة الدفاع الغربية تطورًا.
ما وراء التقنية: حرب الاستنزاف الصناعي
لا يقتصر الأمر على التفوق التكتيكي فحسب، بل يمتد إلى بُعد استراتيجي أعمق يتعلق بالقدرة الصناعية. فبينما تعمل آلة الحرب الروسية بكامل طاقتها لإنتاج صواريخ إسكندر ومنصات هجومية أخرى بوتيرة متسارعة، تعتمد أوكرانيا على إمدادات غربية محدودة وقواعد صناعية لم تُصمم لمتطلبات حرب استنزاف طويلة الأمد. يرى المحلل العسكري، اللواء المتقاعد سمير راغب، أن “الصراع تحول من مجرد مواجهة في الميدان إلى اختبار مباشر للقدرات الصناعية، وهو مجال تمتلك فيه موسكو حاليًا أفضلية واضحة بسبب تحويل اقتصادها إلى حالة حرب”.
هذا الخلل في ميزان الإنتاج يعني أن أوكرانيا لا تعاني فقط من صعوبة اعتراض الصواريخ، بل من ندرة الصواريخ الاعتراضية نفسها. فالهجمات الروسية المكثفة، التي تُطلق فيها عشرات الصواريخ دفعة واحدة، تستنزف المخزون الأوكراني المحدود من بطاريات باتريوت، مما يجعل الدفاع عن كل الأهداف الحيوية أمرًا شبه مستحيل.
هل يعيد “توماهوك” التوازن المفقود؟
أمام هذا الواقع الميداني الصعب، يبدو أن كييف بدأت تفكر في تغيير استراتيجيتها من الدفاع المحض إلى الردع الهجومي. وتفسر المطالب الأوكرانية المتزايدة بالحصول على صواريخ “توماهوك” الأمريكية المجنحة هذا التحول. فإذا كانت حماية الأجواء أصبحت معقدة، فإن امتلاك القدرة على تهديد أهداف استراتيجية في العمق الروسي قد يعيد فرض نوع من توازن الردع، ويجبر موسكو على إعادة حساباتها قبل شن هجمات واسعة النطاق.
في المحصلة، يكشف تفوق صواريخ إسكندر عن حقيقة جوهرية في الحروب الحديثة: الابتكار التكتيكي والقدرة الصناعية المستدامة لا يقلان أهمية عن امتلاك التكنولوجيا المتقدمة. لقد نجحت روسيا في استغلال نقاط ضعف الأنظمة الغربية، وفرضت معادلة جديدة في الصراع الجوي، مما يضع أوكرانيا وحلفاءها أمام تحدٍ وجودي يتطلب حلولًا سريعة تتجاوز مجرد إرسال المزيد من البطاريات الدفاعية.









