غزة تحت الأنقاض: صور الأقمار الصناعية تكشف حجم الدمار

منذ الهجوم الذي شنته حركة حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، لم يتوقف العدوان الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة. تكشف تحليلات متعمقة لصور الأقمار الصناعية، أجرتها شبكة “إيه بي سي نيوز” على مدار العامين الماضيين، حجم الدمار الهائل الذي طال كل شبر في القطاع المحاصر.
تظهر هذه الصور بوضوح أن بلدات وأحياء بأكملها قد تحولت إلى ركام، ولم تنجُ منها البنية التحتية الأساسية. فمدارس ومستشفيات ومبانٍ دينية كانت صروحًا قائمة، أضحت الآن شاهدة على حجم الكارثة الإنسانية.
وفقًا لتقديرات تحليل الأضرار، الذي شاركه مع “إيه بي سي نيوز” خبيران من جامعة ولاية أوريغون، فقد تضرر أو دُمر ما يصل إلى 197 ألف مبنى خلال هذه الحرب الطاحنة. أرقام تكشف عن واقع مرير يعيشه الفلسطينيون في غزة.
مزاعم إسرائيلية في مواجهة الدمار الشامل
في مؤتمر صحفي عُقد في 10 أغسطس، تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن حجم الدمار، زاعمًا أن “التدمير المادي لا يعني أن إسرائيل تهدم منشآت فيها أناس”. وأضاف أن “هذا ليس ما يحدث” على أرض الواقع.
واستطرد نتنياهو في مزاعمه، مشيرًا إلى أن إسرائيل تنتظر مغادرة المدنيين قبل أي عملية. لكنه ادعى أن عناصر حماس يتواجدون “في كل مبنى تقريبًا”، مما يجبر القوات الإسرائيلية على استخدام “ناقلات جند مدرعة قديمة محملة بأطنان من المتفجرات” لتفجيرها.
ووفقًا لنتنياهو، فإن عناصر حماس “يفجرون جميع الأفخاخ المتفجرة” عند دخول القوات، مما يؤدي إلى انهيار المباني. هذه الرواية تقدم تفسيرًا إسرائيليًا للدمار، لكنها لا تقلل من حجم الكارثة الإنسانية التي حلت بالقطاع.
بلدات اختفت من الخريطة: أم النصر والمغراقة
تُظهر صور الأقمار الصناعية دمارًا كاملاً لبلدتين في غزة؛ أم النصر والمغراقة، حيث لم يبقَ أي مبنى قائم فيهما. أم النصر، وهي بلدة بدوية تقع في أقصى شمال القطاع، كان يقطنها نحو 5000 نسمة قبل الحرب.
أما المغراقة، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 11,500 نسمة وتقع بين مدينة غزة ووسط القطاع، فقد دُمرت أجزاء كبيرة منها. هذا الدمار وقع بشكل رئيسي بين أبريل وأغسطس 2024، وفقًا لتحليلات صور الأقمار الصناعية.

خلال هذه الفترة، كانت المنطقة خاضعة للسيطرة الإسرائيلية، وتُعرف باسم “ممر نتساريم”. تحليل شبكة “إيه بي سي نيوز” لصور الأقمار الصناعية يؤكد أن جيش الاحتلال الإسرائيلي دمرها بالكامل بين 29 و31 مارس 2025.
ردًا على استفسارات “إيه بي سي” بشأن عمليات التدمير، قال جيش الاحتلال الإسرائيلي إن هذا النشاط كان متوافقًا مع القانون الدولي. وأضاف أن العمليات نُفذت بهدف منع “الأنشطة الهجومية” من قبل المقاومة.
من جانبه، ذكر مدير العلاقات العامة في القرية لشبكة “إيه بي سي نيوز” أن “سكان القرية موزعون على عدة أماكن غرب مدينة غزة”. فيما انتقل آخرون إلى جنوب قطاع غزة، في مشهد يعكس حالة النزوح القسري.
رفح وجباليا: مدن على حافة الهاوية
في العديد من المناطق التي سيطرت عليها القوات الإسرائيلية لفترات طويلة، مثل رفح وشمال غزة وخان يونس، تم هدم مبانٍ على طول كتل كاملة من المدن. هذا الدمار الشامل يمحو معالم المدن تدريجيًا.
في حي تل السلطان، غرب رفح، تُشير صور الأقمار الصناعية إلى تدمير كل مبنى تقريبًا في كل حي. وغالبًا ما تكون المدارس هي المباني الوحيدة المتبقية، مما يعكس استهدافًا ممنهجًا للمناطق السكنية.

مشهد مماثل يظهر في صور جباليا، المدينة الواقعة في شمال قطاع غزة، حيث نفذت قوات الاحتلال العديد من العمليات البرية طوال الحرب. تحولت جباليا إلى منطقة أشباح، إلا من بعض الخيام المتناثرة.
ورغم الدمار شبه الكامل، لا يزال من الممكن رؤية خيام عرضية بين الأنقاض، أقامها أشخاص عادوا إلى الشمال خلال وقف إطلاق النار الأخير. هؤلاء العائدون وجدوا منازلهم مدمرة، في شهادة حية على حجم الكارثة الإنسانية.

النزوح الجماعي: المواصي تتحول إلى مدينة خيام
التغير في المشهد الناجم عن النزوح الجماعي لملايين الأشخاص واضح بشكل صارخ في صور الأقمار الصناعية، حسب ما أوردته شبكة “إيه بي سي نيوز”. تحولت أميال من الحقول في المواصي إلى مخيمات مكتظة تضم آلاف الخيام.
هذه هي المنطقة التي صنفتها إسرائيل “منطقة إنسانية”، حيث يُطلب من السكان الانتقال إليها لتجنب مناطق القتال. لكن الواقع يكشف عن ظروف معيشية قاسية تفتقر لأبسط مقومات الحياة الكريمة.
من جانبه، قال فيليب لازاريني، رئيس وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، في أغسطس، إن الخدمات في المنطقة غير كافية. وأضاف في بيان للأونروا أن “مئات الآلاف من الفلسطينيين النازحين إلى المواصي ليس لديهم سوى القليل من الوصول إلى الخدمات والإمدادات الأساسية، بما في ذلك الغذاء والماء والكهرباء والخيام”.
وفي منطقة المواصي، الواقعة إلى الشمال من خان يونس، تمتد آلاف الخيام على طول الساحل. تستولي هذه الخيام على أي بوصة من المساحة المتاحة، مما يخلق ما يشبه مدينة جديدة بين القماش، وفقًا لصور الأقمار الصناعية.

المدارس المدمرة: استهداف ممنهج للبنية التعليمية
أظهر تحليل بصري أجرته قناة “إيه بي سي نيوز” لصور الأقمار الصناعية وأكثر من 200 مقطع فيديو موثق من مواقع التواصل الاجتماعي أن 88% من مدارس غزة مدمرة أو متضررة. ما لا يقل عن 58%، أي 318 مبنى مدرسيًا، دُمر جزئيًا على الأقل.
وفي بيان لشبكة “إيه بي سي نيوز” حول تدمير المدارس في غزة، قال جيش الاحتلال الإسرائيلي: “لا توجد سياسة لدى الجيش لاستهداف المدارس أو المعلمين”. وزعم أن استراتيجية حماس “الواسعة والموثقة جيدًا لاستغلال المدارس والمرافق التعليمية” استدعت تدخل الجيش الإسرائيلي في تلك المناطق.
مدرسة الفردوس الابتدائية، غرب رفح، كانت تستقبل 488 طالبًا قبل الحرب، وفقًا لبيانات اليونيسف. وحتى ربيع عام 2024، أظهرت صور الأقمار الصناعية أنها آوت مئات النازحين الذين لجأوا إليها بحثًا عن الأمان.
بعد سيطرة جيش الاحتلال الإسرائيلي على المنطقة في ربيع عام 2024، تُظهر صور الأقمار الصناعية أن المدرسة دُمرت. وخلال هذا الصيف، تمت إزالة الأنقاض لإفساح المجال لبناء موقع توزيع مساعدات لمؤسسة “غزة الإنسانية” المثيرة للجدل، المدعومة من الولايات المتحدة.
وفي خان يونس، دُمرت خمس مدارس في مجمع كان يضم 6915 طالبًا، وفقًا لليونيسف، في أغسطس من هذا العام. وفي مقطع فيديو نشره جيش الاحتلال الإسرائيلي، فُجرت أربع مدارس أخرى على بُعد ميلين تقريبًا شمال هذه المدارس ودُمرت في أغسطس أيضًا.
في مقطع الفيديو الذي يُصوّر تدمير تلك المدارس، يُشير جيش الدفاع الإسرائيلي إليها بأنها “بنية تحتية إرهابية”. ويقول إن قواته كانت تُنفّذ عمليات ضد هذه البنية التحتية في منطقة خان يونس، في تبرير لعمليات الهدم الواسعة.












