صندوق النقد يرسم خريطة طريق لتعافي اقتصادات الصراع العربية
تقرير حديث يكشف أن الدعم المالي وحده لا يكفي.. والمؤسسة الدولية تشدد على ضرورة إعادة هيكلة الديون وبناء المؤسسات لتحقيق نمو مستدام في المنطقة.

في تشخيص دقيق لواقع الاقتصادات الهشة، وضع صندوق النقد الدولي روشتة متكاملة لمسار تعافي اقتصادات الدول العربية التي مزقتها الصراعات والاضطرابات السياسية. وأكد الصندوق في تقريره الأخير “آفاق الاقتصاد الإقليمي”، أن الدعم الدولي يجب أن يتجاوز فكرة التمويل المباشر، ليشمل حزمة شاملة من تخفيف الديون، وبناء المؤسسات القوية، وتقديم المساعدات الفنية اللازمة.
تأتي هذه الرؤية لتعكس تحولاً في فهم آليات التعافي، حيث لم تعد المساعدات المالية كافية وحدها لانتشال الاقتصادات من كبوتها. فبدون مؤسسات قادرة على إدارة الموارد بكفاءة وشفافية، وبدون تخفيف أعباء الديون التي تخنق أي فرصة للنمو، تظل الأموال مجرد مسكنات مؤقتة لا تعالج جذور الأزمة التي تعصف ببعض بلدان الشرق الأوسط.
إعادة هيكلة الديون كطوق نجاة
يعتبر الصندوق أن إعادة هيكلة الديون تمثل حجر الزاوية لتمكين هذه الاقتصادات من تحقيق نمو اقتصادي مستدام. فالعملية، إذا ما تمت بفعالية وتزامنت مع إصلاحات هيكلية عميقة، تفتح المجال أمام استقرار الاقتصاد الكلي وتستعيد ثقة المستثمرين المحليين والدوليين، وهو ما يمثل تحدياً كبيراً في بيئة تعاني من انعدام اليقين.
لكن التقرير يرسم صورة واقعية، مشيراً إلى أن مسار التعافي من الصراعات في المنطقة “صعب وبطيء”. ويعود ذلك إلى الطبيعة المعقدة للنزاعات التي تتسم بطول أمدها وحدتها، بالإضافة إلى قصر فترات السلام الهشة، مما يغذي حلقة مفرغة من عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي، ويجعل مهمة الحكومات في التنسيق الفعال للمساعدات الدولية وتحديد الأولويات أكثر صعوبة.
تداعيات متباينة ونماذج مختلفة للأزمات
تتجسد هذه التحديات في نماذج مختلفة بالمنطقة، ففي مصر، يواجه الاقتصاد ضغوطاً ناجمة عن تداعيات حرب غزة، والتي أدت إلى فقدان قناة السويس لنحو نصف إيراداتها الدولارية الحيوية. أما في سوريا، فالمهمة تبدو أشبه بإعادة بناء شاملة للاقتصاد الذي دُمر بفعل صراع مسلح طويل الأمد وعقوبات دولية مشددة، بينما ينتظر لبنان توافقاً سياسياً قد يكون بعيد المنال لإنقاذ اقتصاده من أزمة هي الأعمق في تاريخه الحديث.
على الرغم من هذه الصورة القاتمة في بؤر الصراع، رفع الصندوق توقعاته لنمو المنطقة ككل، متوقعاً نمواً بنسبة 3.3% في 2025 و3.7% في 2026. هذه النظرة المتفائلة تستند بشكل أساسي إلى تحسن أسعار النفط والأداء القوي للاقتصاد السعودي، مما يخلق مفارقة واضحة بين مسار اقتصادات الخليج المستقرة ومسار جيرانها الذين يكافحون للخروج من دوامة العنف.
مؤشرات صارخة لفشل التعافي
يقدم الصندوق معيارين لقياس نجاح التعافي: عودة نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي لمساره المتوقع قبل النزاع خلال خمس سنوات، مع استمرار السلام. وتكشف الأرقام عن واقع صادم؛ فمتوسط نمو نصيب الفرد في المنطقة بعد الصراع يقل عن 1%، مقارنة بـ 4.8% في مناطق أخرى من العالم شهدت ظروفاً مشابهة، مما يبرهن على وجود خلل هيكلي في مقاربة التعافي المتبعة حتى الآن.











