فن

سينما الأخوين ناصر: حين تصبح غزة مسرحًا للكوميديا السوداء

من الكوافير إلى محل الفلافل.. كيف يسخر المخرجان من سرديات الحصار والسلطة؟

كاتبة ومراسلة إخبارية في منصة النيل نيوز، متخصصة في قسم الفن.

في قلب المشهد السينمائي الفلسطيني، يبرز صوت فريد للأخوين طرزان وعرب ناصر، صوتٌ قادم من غزة لا يكتفي بسرد المعاناة، بل يغوص في تفاصيلها العبثية بضحكة مرة. فيلمهما الأخير “كان يا ما كان في غزة”، الذي انطلق إقليميًا من مهرجان القاهرة السينمائي، يمثل تتويجًا لأسلوب أصبح بصمتهما الخاصة، سينما تسخر من الواقع لتنجو منه.

مسرح الحصار

منذ فيلمهما الأول “دجراديه”، يختار الأخوان ناصر فضاءات مغلقة لتكون مسرحًا لأحداثهما. صالون حلاقة نسائي، بيت صياد منعزل، والآن محل فلافل. لا يمكن فصل هذا الاختيار عن واقع الحصار المفروض على غزة. هذه الأماكن ليست مجرد مواقع تصوير، بل هي استعارة مكثفة لحياة تدور في دائرة مغلقة، حيث يصبح الداخل هو العالم كله، بكل تناقضاته وأحلامه المجهضة. إنه تكنيك ذكي يجعل المشاهد يشعر بضيق المكان، تمامًا كما يشعر به أبطال الحكاية.

فلافل ومخدرات

في فيلمهما الجديد، يصبح محل الفلافل الذي يديره “يحيى” واجهة لتجارة المخدرات، في مفارقة تكشف آليات البقاء في واقع اقتصادي منهار. القصة لا تدور حول المقاومة والسياسة بشكل مباشر، بل حول بشر عاديين يحاولون تدبر أمورهم بطرق ملتوية. يرى مراقبون أن هذا الطرح يعكس نظرة أكثر إنسانية وعمقًا لغزة، بعيدًا عن الصورة النمطية التي تقدمها نشرات الأخبار، فالصراع هنا ليس فقط مع المحتل، بل مع الفقر والفساد الداخلي أيضًا.

ضحك مرير

تكمن قوة سينما الأخوين ناصر في توظيف الكوميديا السوداء كسلاح نقدي. فكما في “غزة مونامور”، حيث يتحول تمثال أثري بعضو ذكري إلى أزمة وجودية، يأتي “كان يا ما كان في غزة” ليسخر من صناعة البطولة نفسها. فكرة إنتاج أول فيلم “أكشن” في غزة بإمكانيات شبه معدومة واستخدام الرصاص الحي بدلًا من الخلبي، هي فكرة تثير الضحك والبكاء معًا. إنها سخرية لاذعة من محاولات تجميل الواقع البائس، ومنطق السلطة الذي يرى في الدعاية إنجازًا بحد ذاته.

نقد السرديات

بجرأة لافتة، يوجه الأخوان ناصر نقدهما للداخل. الفيلم الدعائي الذي يتم تصويره داخل الحكاية يصبح أداة لتفكيك سردية البطولة الرسمية. بحسب محللين، فإن هذا النقد المبطن لسلطة حماس وطريقتها في إدارة المشهد الثقافي والإعلامي هو ما يمنح أفلامهما طابعًا صداميًا ومثيرًا للجدل. لم يعد الأمر يتعلق فقط بالصراع مع إسرائيل، بل بفحص الذات وكشف الهشاشة الداخلية التي يعاني منها المجتمع تحت وطأة الظروف.

صناعة الشهيد

تصل العبثية ذروتها حين يُقتل “يحيى”، تاجر المخدرات الصغير، برصاصة طائشة أثناء تصويره لدور مقاوم أسطوري. وهنا تكمن المفارقة الكبرى، حيث تحوله السلطة إلى أيقونة وشهيد، وتقيم له جنازة مهيبة تخدم روايتها. يطرح الفيلم سؤالًا جريئًا ومؤلمًا: من هو الشهيد الحقيقي؟ وكيف يتم توظيف الموت لخدمة أغراض سياسية؟ إنها ضربة مباشرة في قلب سردية الشهادة التقليدية، وتفريق دقيق بين من يموتون في سبيل قضية، ومن يتم تحويلهم إلى شهداء بأمر السلطة.

في النهاية، يقدم الأخوان ناصر سينما فلسطينية مختلفة، تتجاوز البكائيات المباشرة إلى مستوى أعمق من النقد الاجتماعي والسياسي. إنها سينما تطرح أسئلة أكثر مما تقدم إجابات، وتستخدم الضحك كأداة للمقاومة، ليس فقط ضد الاحتلال، بل ضد كل السرديات الجاهزة التي تحاول اختزال تعقيدات الحياة في غزة. ربما تكون هذه هي المقاومة الثقافية الحقيقية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *