عرب وعالم

دول بلا جيوش حلم فلسطيني ونماذج عالمية ناجحة

صحفي في قسم عرب وعالم، بمنصة النيل نيوز

في خضم حديث الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن دولة فلسطينية منزوعة السلاح، يفتح الباب على مصراعيه أمام تساؤل قديم وجوهري: هل يمكن لدولة أن تحيا وتزدهر بلا جيش؟ الإجابة المفاجئة تأتي من عشرات الدول حول العالم التي اختارت السلام والتحالفات بديلاً عن القوة العسكرية، مقدمةً نماذج فريدة في إدارة السيادة الوطنية.

أوروبا: قارة العمالقة والصغار المسالمين

في قلب أوروبا، القارة التي شهدت أعنف الحروب، تزدهر دول اختارت طواعية التخلي عن جيوشها. تأتي أيسلندا على رأس القائمة كمثال فريد، فهي عضو مؤسس في حلف شمال الأطلسي (الناتو) لكنها لا تملك جيشًا دائمًا منذ استقلالها عام 1944. تعتمد أيسلندا على خفر سواحل شبه عسكري وقوة شرطة وطنية، فيما تتكفل اتفاقيات الدفاع المشترك مع حلفائها في الناتو، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، بحماية أجوائها وحدودها.

على صعيد آخر، تقف دولة الفاتيكان، أصغر دول العالم، كرمز للقوة الروحية لا العسكرية. حمايتها تقع على عاتق الحرس السويسري البابوي، وهي قوة رمزية تاريخية، بينما تضمن إيطاليا أمنها الخارجي بموجب اتفاقية لاتران. هذا النموذج يعكس طبيعة الدولة الدينية التي لا تطمح لأدوار عسكرية، بل تركز على رسالتها الروحية العالمية.

تنضم إلى القائمة دول أوروبية صغيرة أخرى مثل موناكو، أندورا، ليختنشتاين، وسان مارينو. هذه الدول، بحكم جغرافيتها وعدد سكانها المحدود، وجدت في التحالف مع جيرانها الكبار (فرنسا، إسبانيا، إيطاليا) ضمانة لأمنها، مما أتاح لها توجيه مواردها المحدودة نحو تحقيق أعلى مستويات الرفاهية لمواطنيها.

أمريكا الوسطى: حيث السلام خيار دستوري

تُعتبر كوستاريكا القصة الأكثر إلهامًا في هذا السياق. فبعد حرب أهلية مريرة، اتخذت قرارًا تاريخيًا بإلغاء جيشها عام 1949، ونصت على ذلك في دستورها. هذا القرار لم يكن مجرد خطوة سياسية، بل تحول إلى هوية وطنية، حيث تم تحويل ميزانيات الدفاع الضخمة لتمويل التعليم والصحة، مما جعلها واحدة من أكثر دول أمريكا اللاتينية استقرارًا وتقدمًا.

بنما هي الأخرى تخلت عن جيشها النظامي عام 1990 بعد الغزو الأمريكي. اليوم، تعتمد على قوات شرطة وطنية لحفظ الأمن الداخلي وحماية قناة بنما الاستراتيجية، بينما يوفر تحالفها الوثيق مع الولايات المتحدة مظلة حماية خارجية. هذا النموذج يثبت أن الموقع الاستراتيجي لا يعني بالضرورة الحاجة لجيش ضخم.

جزر مسالمة في محيطات العالم

في المحيطين الهادئ والهندي، اختارت العديد من الدول الجزرية الصغيرة، مثل موريشيوس، جزر سليمان، توفالو، وبالاو، ألا تمتلك جيوشًا. يعود هذا القرار لواقع عملي؛ فبناء جيش وصيانته تكلفة باهظة تفوق قدرات هذه الدول. بدلاً من ذلك، عقدت اتفاقيات دفاعية مع قوى إقليمية كبرى مثل أستراليا، نيوزيلندا، والولايات المتحدة، لتأمين حمايتها، مع التركيز على قوات الشرطة المحلية لضمان الاستقرار الداخلي.

نموذج الكاريبي: الأمن الجماعي بديل الجيوش

في منطقة الكاريبي، تتبع دول مثل غرينادا، الدومينيكا، وسانت لوسيا نهجًا مشابهًا. هذه الدول لا تمتلك جيوشًا فردية، بل تعتمد على قوات شرطة محلية مدربة، وتشترك في “نظام الأمن الإقليمي”، وهو آلية دفاع جماعي تضمن استجابة مشتركة في حال تعرض أي دولة عضو لتهديد خارجي، مما يخلق شبكة أمان فعالة بأقل تكلفة ممكنة.

ميزان الربح والخسارة: سيادة منقوصة أم تنمية مستدامة؟

تجربة دول بلا جيوش تقدم نموذجًا مغريًا، حيث يُستبدل الإنفاق العسكري بالاستثمار في الإنسان والتنمية. لكن النقاد يحذرون من أن هذا النموذج يحمل في طياته مخاطر كامنة؛ فهو يعتمد بشكل كبير على استقرار التحالفات الدولية والنظام العالمي. أي تغيير في موازين القوى أو تراجع في التزامات الحلفاء قد يترك هذه الدول مكشوفة وعاجزة.

في النهاية، تثبت هذه التجارب أن مفهوم السيادة والأمن ليس جامدًا، بل يمكن أن يتخذ أشكالًا متعددة. وبينما يظل الجيش رمزًا للهوية الوطنية لدى الأغلبية، تقدم نماذج كوستاريكا وأيسلندا بديلاً يطرح سؤالًا عميقًا حول أولويات الدول في القرن الحادي والعشرين: هل القوة في السلاح أم في رفاهية الشعوب؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *