جواز السفر الأمريكي يفقد بريقه ويتراجع للمركز 12 عالميًا

في تحول لافت يعكس تغير موازين القوى العالمية، تراجع جواز السفر الأمريكي إلى المرتبة الثانية عشرة في أحدث تصنيفات مؤشر “هينلي” لجوازات السفر. هذا التراجع، الذي يعد الأول من نوعه منذ عقدين، يطرح تساؤلات عميقة حول سياسات واشنطن وتأثيرها على حرية السفر لمواطنيها.
سقوط من القمة
لم يعد جواز السفر الأمريكي ضمن قائمة العشرة الأقوى عالميًا، حيث احتل المركز 12 متساويًا مع ماليزيا، بعد أن كان في المرتبة السابعة العام الماضي فقط، وقبل عقد من الزمن كان يتربع على قمة المؤشر بلا منازع. هذا الهبوط المستمر يمثل أكثر من مجرد تغيير في الأرقام، بل هو مؤشر على تآكل تدريجي لمكانة كانت تعتبر من المسلمات.
يرى كريستيان كايلين، رئيس مجلس إدارة “هينلي آند بارتنرز”، أن هذا التراجع يعكس تحولًا جذريًا في ديناميكيات القوة الناعمة. فالدول التي تتبنى سياسات الانفتاح والتعاون الدولي تتقدم بثبات، بينما تتراجع تلك التي تعتمد على امتيازات الماضي، في إشارة ضمنية إلى أن السياسات الأمريكية لم تعد تتماشى مع التوجهات العالمية الجديدة.
سياسة الهجرة ومبدأ المعاملة بالمثل
يعود جزء كبير من هذا التراجع إلى سياسة الهجرة الأمريكية المتشددة التي بدأت في عهد إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب واستمر تأثيرها. القيود التي فُرضت على دخول مواطني دول أخرى لمكافحة الهجرة غير الشرعية، امتدت لتشمل إجراءات معقدة للسياحة والعمل والدراسة، مما دفع العديد من الدول إلى إعادة تقييم سياساتها تجاه المواطنين الأمريكيين.
ويعتبر مبدأ المعاملة بالمثل حجر الزاوية في هذا التصنيف. فعلى سبيل المثال، ألغت البرازيل مؤخرًا إعفاء الأمريكيين من التأشيرة لأن الولايات المتحدة لم تمنح البرازيليين نفس الميزة. وتكشف الأرقام عن فجوة واضحة؛ فبينما يتيح جواز السفر الأمريكي دخول 180 وجهة، تسمح الولايات المتحدة لمواطني 46 دولة فقط بالدخول إليها دون تأشيرة.
هذا التوجه الانعزالي، الذي بدأ قبل سنوات، تظهر نتائجه الآن بوضوح في فقدان جواز السفر الأمريكي لقوته، كما تشير الباحثة آني بفورزهايمر من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، مؤكدة أن الانغلاق السياسي له تداعيات مباشرة على حرية حركة المواطنين.
مؤشر هينلي: مقياس موثوق عالميًا
يستند مؤشر هينلي لجوازات السفر في تصنيفه على بيانات حصرية من الاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA)، ويُعد المقياس الأكثر دقة وموثوقية في تقييم قوة جوازات السفر حول العالم. ويشمل المؤشر، الذي تمتد بياناته لعشرين عامًا، 199 جواز سفر و227 وجهة سفر، مع تحديثات شهرية تضمن مواكبته للتغيرات العالمية.
وفي الوقت الذي يتراجع فيه تصنيف جواز السفر الأمريكي، تتصدر سنغافورة القائمة بإتاحة الدخول إلى 193 وجهة دون تأشيرة، تليها كوريا الجنوبية واليابان. هذا التباين يسلط الضوء على أن القوة العالمية لم تعد تُقاس بالقدرات العسكرية والاقتصادية فقط، بل أصبحت حرية السفر والتنقل جزءًا لا يتجزأ من نفوذ الدول وقوتها الناعمة.









