جدل واسع حول مقترح بنك وطني للأنسجة وتيسير التبرع بالجلد
نحو 100 ألف حالة حروق سنوياً في البلاد، ومعدل وفيات يصل إلى 37%.

أثار اقتراح قدمته عضو في مجلس الشيوخ بالبلاد، يهدف إلى تأسيس “بنك وطني للأنسجة” وتوسيع نطاق التبرع بالجلد بعد الوفاة لمساعدة ضحايا الحروق الشديدة وتسهيل الإجراءات، جدلاً واسع النطاق عبر المنصات الاجتماعية ووسائل الإعلام المحلية خلال الأيام الماضية.
في حين يرى مؤيدو المشروع أنه يمثل ضرورة طبية وإنسانية ماسة لإنقاذ آلاف المرضى سنوياً وتطوير منظومة علاج الحروق في البلاد، يعتقد معارضون أنه يثير مخاوف جدية بشأن “حرمة الجسد” واحتمالية سوء الاستخدام أو فتح الباب أمام الاتجار غير المشروع بالأعضاء، الأمر الذي عمّق الانقسام حول هذا الاقتراح.
وقد فتح هذا المقترح الباب مجدداً لمناقشة ملف تيسير إجراءات التبرع بعد الوفاة، في خطوة أعادت تسليط الضوء على التحديات القانونية والاجتماعية والأخلاقية المعقدة التي تحيط بهذا الملف الحيوي.
يأتي هذا النقاش في وقت لا تزال فيه آلاف العائلات تواجه صعوبات بالغة في إيجاد متبرعين أو توافق مناسب لعمليات زراعة الأعضاء، وذلك على الرغم من مرور ما يقارب 16 عاماً على إصدار قانون تنظيم زرع الأعضاء البشرية عام 2010، والذي أقرته البلاد لكنه لم يشهد تفعيلاً حقيقياً حتى الآن.
### بنك وطني للأنسجة البشرية
بدأ الجدل مع تقديم عضو مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان) اقتراحاً بإنشاء “بنك وطني للأنسجة البشرية”، وفي مقدمتها الجلد، بهدف إنقاذ آلاف المصابين بالحروق الشديدة. يهدف المقترح أيضاً إلى تخفيض فاتورة الاستيراد السنوية التي تتحملها الدولة لتوفير الجلد البشري من الخارج لإجراء مئات العمليات الجراحية، حيث قد تصل تكلفة الحالة الواحدة منها إلى حوالي مليون جنيه (ما يعادل 21 ألف دولار).
وأوضحت العضو، في تصريحات صحفية، أن المقترح يشمل مسارين رئيسيين: أولهما تأسيس بنك وطني للأنسجة البشرية، وهو ما يُعد ضرورة طبية ملحة في ظل غياب هذا النوع من البنوك بالبلاد. أما المسار الثاني، فيتمثل في إعادة فتح النقاش حول تفعيل منظومة التبرع وزراعة الأعضاء، سواء من الأحياء أو بعد الوفاة، وذلك من خلال آليات واضحة ومحددة.
ويُقصد بالتبرع بالجلد استخدام أنسجة تُؤخذ من متبرع بهدف علاج المرضى الذين فقدوا مساحات كبيرة من جلدهم، وهذا يحدث غالباً نتيجة للحروق المتقدمة أو الجراحات الكبرى أو لأسباب أخرى متعددة.
وأشارت العضو، التي سبق وأعلنت عن تبرعها بالجلد بعد الوفاة، إلى أن إنشاء قاعدة بيانات رقمية موثقة للراغبين في التبرع بالأنسجة أو الأعضاء، إلى جانب إدراج خيار إثبات هذه الرغبة في بطاقة الهوية الوطنية، من شأنه تنظيم العملية وضمان تنفيذها بشفافية تامة. وأضافت أن هذا الإجراء يمكن أن ينقذ حياة العديد من الأشخاص الذين يحتاجون إلى أعضاء ولا يجدون متبرعين بنسب التوافق المطلوبة.
واستطردت موضحة أنه “لا توجد بنية تحتية واضحة ترشد الراغبين في التبرع بأعضائهم إلى المسار القانوني الصحيح أو الخطوات الإجرائية اللازمة لإتمام ذلك”. وأشارت إلى سعيها لفتح نقاش حول إعادة تفعيل قانون تنظيم زرع الأعضاء البشرية الصادر عام 2010، وذلك على الرغم من مرور ما يقارب 16 عاماً على إقراره، ونحو 15 عاماً على صدور لائحته التنفيذية، دون أن يحقق التطبيق المرجو منه، (وهو أمر يستحق التأمل).
### التبرع بالأعضاء والأنسجة
وفقاً للقانون رقم 5 لسنة 2010 الخاص بتنظيم زرع الأعضاء البشرية، والذي عُدّل بالقانون رقم 142 لسنة 2017، ولائحته التنفيذية رقم 93 لسنة 2011، تنص المادة الثانية على “جواز نقل أي عضو أو جزء من عضو أو نسيج من جسم إنسان حي بهدف زرعه في جسم إنسان آخر، وذلك في حالة الضرورة التي تستدعي المحافظة على حياة المتلقي أو علاجه من مرض جسيم”. بينما تشير المادة 14 إلى “جواز نقل أي عضو أو جزء من عضو أو نسيج من جسد ميت، بعد التأكد من الوفاة بإجماع آراء لجنة ثلاثية من الأطباء المتخصصين”.
من جانبه، أكد المتحدث باسم وزارة الصحة بالبلاد، في تصريحات صحفية، أن الإطار القانوني الحالي سارٍ ويجيز التبرع بالأعضاء والأنسجة بعد الوفاة، شريطة ثبوت الوفاة طبياً، ووجود موافقة موثقة من المتوفى قبل وفاته أو من ذويه. وأشار إلى تجريم الاتجار بجميع صوره، موضحاً أن “التحدي الحقيقي يكمن في التنظيم وبناء الوعي المجتمعي، وهو ما تعمل عليه الدولة حالياً”.
وأضاف المتحدث أن تأسيس بنك وطني للأنسجة، وفي مقدمتها بنك الجلد، يمثل خطوة جوهرية لإنقاذ مرضى الحروق، خاصة الأطفال، في ظل معدلات الإصابة المرتفعة محلياً.
وتابع موضحاً: “لتبسيط المفهوم للجمهور، فإن الأنسجة هي مجموعات من الخلايا المتشابهة في تركيبها، تعمل معاً لأداء وظيفة محددة داخل الجسم، وتُعد المكون الأساسي للأعضاء. ومن بين هذه الأنسجة يأتي الجلد، الذي يُستخدم طبياً كعلاج منقذ للحياة في حالات الحروق الشديدة”.
### معدلات مرتفعة من إصابات الحروق
وأشار المتحدث في حديثه إلى أن الإحصاءات الطبية تُصنف البلاد ضمن الدول التي تسجل معدلات مرتفعة من إصابات الحروق، خاصة بين الأطفال، حيث تقع غالبية الحوادث داخل المنازل. وأكد أن المرضى الذين يفقدون مساحات واسعة من الجلد قد لا يتوفر لديهم ما يكفي من أنسجتهم لإجراء “الترقيع الذاتي”، مما يجعل الجلد المتبرع به خياراً حيوياً وفرصة حقيقية للنجاة.
ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، تتسبب الحروق في وفاة حوالي 180 ألف شخص سنوياً على مستوى العالم، ويتركز معظمهم في الدول متوسطة ومنخفضة الدخل.
فيما أشارت تقديرات طبية إلى أن حوالي 0.1% من سكان البلاد يتعرضون سنوياً لحروق جسيمة تستدعي تدخلاً طبياً متخصصاً. وتفيد بيانات “مؤسسة أهل مصر” بتسجيل نحو 100 ألف حالة حروق سنوياً، مع معدل وفيات يصل إلى 37% من ضحايا هذه الحروق.
وبحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في البلاد، بلغ عدد حوادث الحريق فيها خلال عام 2025 نحو 51 ألفاً و29 حادثة، وقد أسفرت عن 180 حالة وفاة. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأرقام تعكس حوادث الحريق بشكل عام، ولا تقتصر على حالات الحروق الطبية فقط.
وفي هذا السياق، أشار المتحدث إلى أن وزارة الصحة بالبلاد تعمل على إنشاء “منظومة وطنية متكاملة لبنوك الأنسجة”، يتصدرها بنك الجلد، وذلك ضمن خطة تطوير “مدينة النيل الطبية” (التي تشمل تطوير معهد ناصر). ويتم اعتماد بروتوكولات وإجراءات طبية تضمن أعلى معايير السلامة والجودة في هذا الإطار.
وشدد على أن المنظومة المرتقبة ستخضع لرقابة كاملة وضمانات صارمة للشفافية في جميع مراحل التبرع والاستخدام، بالتنسيق مع المؤسسات الدينية الرسمية. وأشار إلى أن الوزارة بدأت بالفعل في تدريب الكوادر الطبية ورفع كفاءة وحدات علاج الحروق دعماً لهذه الخطة الطموحة.
### هل يتسبب التبرع بالجلد في تشويه الجثمان؟
منذ أن طرحت عضو مجلس الشيوخ هذا المقترح، تصاعد الجدل على منصات التواصل الاجتماعي، ووصل إلى حد التشكيك في مشروعيته بدعوى أنه قد يؤدي إلى تشويه جثمان المتوفى. ومع ذلك، نفى المتحدث باسم وزارة الصحة بالبلاد ذلك، مؤكداً أن التبرع بالجلد بعد الوفاة لا يسبب أي تشوه للجثمان على الإطلاق.
وأوضح المتحدث أن “الإجراء يقتصر على أخذ طبقات سطحية دقيقة جداً من مناطق غير ظاهرة في الجسم، مع بقاء الطبقات العميقة المسؤولة عن الشكل الخارجي سليمة تماماً”. وأشار إلى أن “الجثمان يُرمم طبياً بطريقة تحفظ كرامة المتوفى ولا تؤثر على إجراءات الغُسل أو التكفين أو الدفن”.
وشدد على أن “التبرع بالأنسجة بعد الوفاة لا يتعارض مع الكرامة الإنسانية أو التعاليم الدينية، بل هو عمل إنساني نبيل يسهم في إنقاذ حياة المرضى ويمنحهم فرصة جديدة للشفاء والعافية”.
### أهمية التبرع بالجلد
وفي حين أكد المتحدث على أهمية التبرع في إنقاذ المرضى، أوضح استشاري الأمراض الجلدية ورئيس جمعية متخصصة في الأمراض الجلدية والتناسلية، أن مفهوم التبرع بالجلد لا يعني “سلخ المتبرع” كما يزعم البعض. بل يقتصر الأمر على أخذ عينة محدودة من الجلد تُعالج وتُستزرع معملياً داخل وحدات متخصصة، وذلك في درجات حرارة منخفضة جداً باستخدام النيتروجين، مما يسمح بتكاثر الخلايا وتجهيزها للاستخدام الطبي.
وأشار الاستشاري، في تصريحات صحفية، إلى أن هذه الأنسجة تُستخدم في الحالات الحرجة التي تتجاوز فيها نسبة الحروق 50% أو 70% من مساحة الجسم، حيث يصبح التدخل الفوري ضرورة قصوى لإنقاذ حياة المصاب.
وأضاف أن “التبرع بالجلد مطبق منذ سنوات في عدد من الدول الأوروبية، وقد أثبت فعاليته في خفض معدلات الوفاة والمضاعفات بشكل ملحوظ”.
ونبه إلى أن “مرضى الحروق يكونون أكثر عرضة للعدوى والتسمم الدموي، وأن توفير جلد جاهز للاستخدام خلال المرحلة الحرجة يمثل عنصر حماية أساسياً”. وأوضح أن تنمية الجلد معملياً تستغرق وقتاً لا يتناسب مع طبيعة الإصابات الطارئة، واصفاً إنشاء “بنك وطني للأنسجة” بأنه “أولوية قصوى”، كونه عاملاً حاسماً في تقليص الفجوة الزمنية بين الإصابة والتدخل العلاجي، وبالتالي إنقاذ أرواح قد تُفقد بسبب غياب مخزون جاهز من الجلد الطبي.
### الجلد.. خط الدفاع الأول عن حياة الإنسان
بدورها، أكدت مؤسس ورئيس مجلس أمناء مؤسسة ومستشفى متخصص لعلاج الحروق، أن الجلد يمثل خط الدفاع الأول عن حياة الإنسان، فهو يمنع فقدان السوائل والدم. وأي فقدان واسع له قد يؤدي إلى اضطراب حاد في الدورة الدموية يهدد الحياة بشكل مباشر.
وأضافت المسؤولة، في تصريحات صحفية، أن الجلد يعمل كحاجز طبيعي ضد العدوى، وغيابه يجعل المريض أكثر عرضة للميكروبات والتلوث. وهذا ينعكس مباشرة على فرص التئام الجروح والبقاء على قيد الحياة، معتبرة أن التبرع بالجلد قد يكون في بعض الحالات الفارق الحاسم بين الحياة والموت.
وأكملت قائلة إن نسب نجاة حالات الحروق الخطرة في البلاد لا تتجاوز 20%، مقارنة بما يصل إلى 90% في بعض الدول الأخرى. وأرجعت هذا التفاوت إلى توافر زراعة الجلد الطبيعي في تلك الدول، مقابل غياب بنك أنسجة محلي يوفر الجلد في الوقت المناسب.
وأوضحت أن التحدي يصبح أكثر خطورة في حالات الأطفال الرضع، حيث قد لا تتوفر أي مناطق سليمة في أجسامهم يمكن استخدامها للترقيع الذاتي. وشددت على أن إنشاء بنك أنسجة داخل البلاد من شأنه خفض معدلات الوفيات بشكل ملموس، ومنح الأطباء فرصة للتدخل السريع بدلاً من انتظار الاستيراد بتكلفة مرتفعة، أو فقدان حياة المريض تحت ضغط عامل الوقت.
ولفتت المسؤولة إلى أن استيراد الأنسجة من بنوك متخصصة في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية مكلف للغاية، فضلاً عن التعقيدات اللوجستية المصاحبة. إذ يتطلب شحن الجلد وحفظه في درجات حرارة تصل إلى 80 درجة مئوية تحت الصفر، باستخدام تجهيزات وتقنيات خاصة ترفع التكلفة بشكل كبير.
وبينت أن “عملية زراعة الجلد الطبيعي وحدها قد تصل تكلفتها إلى نحو مليون جنيه للمريض الواحد في حال الاستيراد”. وأشارت إلى أن “أحد الناجين من الحروق الشديدة، والذي خرج من المستشفى مؤخراً، بلغت تكلفة علاجه نحو 3 ملايين و600 ألف جنيه (ما يعادل 77 ألف دولار)، وذلك بخلاف تكاليف الرعاية اليومية اللاحقة للجراحة، والتي تُقدر بنحو 50 ألف جنيه (ما يزيد على ألف دولار).
وفي خضم حالة الجدل التي أعقبت طرح المقترح، شددت المسؤولة على “الحاجة الملحة” لتعزيز التوعية المجتمعية بأهمية التبرع بالأعضاء والأنسجة، معتبرة أن الأمر لا يقتصر على الجلد فحسب، بل يمتد إلى ثقافة إنقاذ حياة كاملة.
كما دعت المؤسسات الدينية إلى الاضطلاع بدور أكبر في تصحيح المفاهيم المغلوطة وتوضيح الأطر الشرعية الداعمة للتبرع، وهو ما قد يساهم في تبديد المخاوف.
### ما موقف دار الإفتاء من التبرع بالجلد أو الأعضاء؟
وبينما أبدى البعض تحفظات تتعلق بـ”الشرعية الدينية” للتبرع بالجلد أو بالأعضاء عموماً، كانت دار الإفتاء في البلاد قد حسمت هذه المسألة في فتاوى سابقة. وقد تناولت هذه الفتاوى حكم التبرع بالأعضاء ونقلها من إنسان إلى آخر، سواء كان ذلك من الحي إلى الحي أو من المتوفى إلى الحي.
وأوضحت دار الإفتاء أن التبرع بعضو أو جزء من عضو من إنسان حي إلى آخر جائز شرعاً، شريطة أن يقرر طبيب مختص وموثوق به أن الإجراء لن يترتب عليه ضرر بالمتبرع، وأنه سيحقق مصلحة حقيقية للمتلقي، مثل إنقاذ حياته أو علاجه من مرض جسيم.
كما أجازت نقل عضو من المتوفى إلى إنسان حي إذا ترتب على ذلك منفعة ضرورية لا بديل لها للمنقول إليه. ويجب أن يثبت ذلك بقرار من طبيب متخصص وموثوق به، مع مراعاة الضوابط الشرعية والطبية معاً.









