ثورة في علاج التهاب المفاصل: غضروف اصطناعي ذكي يُطلق الدواء عند الحاجة

كتب: داليا شرف
أحدث فريق بحثي من جامعة كامبريدج طفرةً في علاج التهاب المفاصل، بتطوير مادة هلامية فريدة تعمل كـ”غضروف اصطناعي” ذكي، قادر على استشعار التغيرات الدقيقة داخل الجسم، ثم إطلاق العلاج في الوقت والمكان المناسبين.
هذا الإنجاز، المنشور في دورية الجمعية الأميركية للكيمياء (Journal of the American Chemical Society)، يعتمد على مادة هلامية مرنة قابلة للتحميل بأدوية مضادة للالتهاب تستجيب للتغيرات الطفيفة في درجة حموضة الجسم.
سرّ المادة الذكية
تتميز هذه المادة بقدرتها على استشعار زيادة حموضة المفصل المصاب خلال نوبة التهاب المفاصل، حيث يتحول تركيبها ليصبح أكثر ليونة، مما يؤدي إلى إطلاق الدواء المخزن بداخلها. وهذا الاستهداف الدقيق يحد من الآثار الجانبية المرتبطة بالعلاجات التقليدية.
أرقام مُقلقة لأمراض المفاصل
شهد عام 2021 أرقامًا قياسية في انتشار أمراض المفاصل، حيث عانى أكثر من 606 ملايين شخص من الفصال العظمي، وأكثر من 18 مليونًا من التهاب المفاصل الروماتويدي. هذه الأرقام، المتزايدة منذ 1990، تعكس التغيرات الديموغرافية، وخاصةً شيخوخة السكان، مما يجعل التهاب المفاصل أحد أبرز أسباب الإعاقة عالميًا، خاصةً بين كبار السن.
وتُظهر دراسة “العبء العالمي للمرض” لعام 2021 معدل انتشارٍ عالميًّا بلغ 6967 حالة لكل 100 ألف نسمة، بزيادة 9% عن عام 1990. وتتوقع الدراسات زيادةً هائلة في هذه الأعداد بحلول 2050.
وليس توزيع هذه الأمراض متساويًا، حيث سجلت آسيا والمحيط الهادئ أعلى معدلات انتشار، تليها أمريكا الشمالية، بينما كانت أدنى المعدلات في جنوب شرق آسيا وإفريقيا جنوب الصحراء.
ووفقًا لتحليل نُشر عام 2023، فإن الركبة هي الموقع الأكثر عرضة للفصال العظمي، تليها اليد ثم الورك، وهو ما يرتبط بالاستخدام المكثف للمفاصل، وزيادة الوزن، والتغيرات الميكانيكية المرتبطة بالتقدم في العمر.
أما التهاب المفاصل الروماتويدي، وهو مرض مناعي ذاتي، فيؤثر على ملايين، وتُعاني النساء منه بمعدل ضعف إلى ثلاثة أضعاف مقارنة بالرجال، غالبًا بين سن 40 و 70 عامًا.
وتتداخل عدة عوامل في زيادة انتشار أمراض المفاصل، أبرزها التقدم في العمر والسمنة، التي تساهم في أكثر من 20% من حالات الفصال العظمي.
مستقبل واعد لعلاج التهاب المفاصل
تتوقع الدراسات زيادةً هائلة في حالات الفصال العظمي (بين 48% و 95%) بحلول 2050، و تضاعف حالات التهاب المفاصل الروماتويدي بحلول 2030. لكن التطورات العلمية، كالمادة الهلامية الذكية، تُبشّر بآفاقٍ علاجية واعدة.
طورت هذه المادة في مجموعة أبحاث البروفيسور أورن شيرمان بجامعة كامبريدج، وتعتمد على شبكة بوليمرات ذات روابط قابلة للعكس، تتكون وتتفكك حسب درجة الحموضة.
عند الالتهاب، ترتفع حموضة المفصل، فتنفكك الروابط جزئيًا، مما يجعل المادة أكثر ليونة، وتطلق الأدوية المخزنة. وفي الظروف الطبيعية، تبقى المادة متماسكة، تعمل كدعامة للمفصل وخزان ذكي للدواء.
أكد البروفيسور شيرمان أن دمج خواص المادة الشبيهة بالغضروف مع توصيل دوائي دقيق أمرٌ مثيرٌ للغاية. وقال ستيفن أونيل، المؤلف الأول للدراسة، أن المادة تستشعر الخلل وتستجيب بإطلاق العلاج في المكان المناسب، مما يقلل الحاجة لتكرار الجرعات.
أظهرت التجارب المخبرية نجاح المادة في إطلاق كمية أكبر من “الدواء” (صبغة فلورية) عند مستويات حموضة مرتفعة. وقالت جايد ماكيون، المؤلفة المشاركة، أن تعديل كيمياء المادة يجعلها حساسة لأصغر التغيرات في الحموضة، مما يعني إطلاق الدواء عند الحاجة فقط.
وأكد الفريق إمكانية تعديل هذه الاستراتيجية لعلاج أمراض أخرى كـالسرطان. وستُجرى اختبارات على أنظمة حية للتأكد من فعاليتها وأمانها. وإذا نجحت، ستُفتح آفاقٌ جديدة لعلاج الأمراض المزمنة بدقةٍ وكفاءةٍ أعلى.









