تصعيد تجاري جديد: واشنطن تربط تهديد الرسوم الجمركية بقضية جرينلاند القطبية
توترات جيوسياسية تلوح في الأفق مع ربط واشنطن إمكانية فرض رسوم إضافية على المنتجات الأوروبية بالنزاع حول جرينلاند ومواردها الاستراتيجية.

لم يقتصر الجديد في هذا المشهد على لهجة التصعيد، بل امتد إلى ذريعة غير مسبوقة. فقد ربطت واشنطن، على لسان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، صراحةً إمكانية فرض رسوم جمركية إضافية على المنتجات الأوروبية بالنزاع الدائر حول جرينلاند، وهي منطقة تتمتع بالحكم الذاتي تحت السيادة الدنماركية، وتُعدّ قطعة محورية في الجغرافيا السياسية الجديدة للقطب الشمالي.
ووفقًا لمصادر دبلوماسية أوروبية، أعربت واشنطن خلال الأشهر الأخيرة عن استيائها المتزايد من الاهتمام الأوروبي المتنامي بالمواد الخام الحيوية والمسارات البحرية القطبية، حيث تخشى الولايات المتحدة من تراجع دورها أمام النفوذ الأوروبي والصيني في هذه المنطقة.
إن ذكر جرينلاند ليس مجرد اختيار بلاغي عشوائي؛ فالجزيرة تزخر باحتياطيات محتملة من الأتربة النادرة واليورانيوم ومعادن استراتيجية أخرى، بالإضافة إلى موقعها المركزي ضمن مسارات الملاحة المستقبلية التي قد يفتحها ذوبان الجليد خلال العقود القادمة. وبالنسبة لترامب، فإن ربط هذه الساحة بالتهديدات الجمركية يمثل رسالة مباشرة لكل من كوبنهاجن وبروكسل: إما قبول شروط معينة للوجود الأمريكي والوصول إلى الموارد، أو دفع الثمن في شكل رسوم على السيارات أو المنتجات الزراعية الغذائية أو السلع الصناعية الأوروبية.
ويكشف هذا التطور مدى تحول السياسة التجارية إلى أداة ضغط جيواستراتيجي. فالأمر لم يعد يقتصر على تصحيح اختلالات الميزان التجاري، بل أصبح يهدف إلى فرض تنازلات في مجالات أخرى – مثل الطاقة والأمن والموارد – باستخدام السوق الأمريكية كرافعة ضغط.
كلينجبيل يحدد الخطوط الحمراء الأوروبية
في مواجهة هذه الاستراتيجية، اختار الوزير الألماني بوريس كلينجبيل رسالة حازمة ومدروسة بعناية. فقد أكد في برلين: “يدنا ممدودة للحوار، لكننا لسنا مستعدين لأن نكون عرضة للابتزاز”. وشدد الوزير الألماني على أنه لا يمكن لأي دولة عضو أن تُترك وحدها لمواجهة تصعيد جمركي مدفوع بأجندة داخلية للبيت الأبيض، مؤكدًا أن الرد سيكون “أوروبيًا أو لن يكون”.
ويرى عدد من العواصم الأوروبية أن الأخطر ليس المحتوى المحدد للرسوم التي ألمح إليها ترامب – والتي تتحدث عن رسوم تصل إلى 25% على قطاع السيارات أو بعض السلع الصناعية – بل السابقة التي يضعها: استخدام أراضي تابعة للاتحاد الأوروبي كورقة مساومة في مفاوضات ثنائية بحتة. وقد أضاف كلينجبيل: “هنا يجب على الأوروبيين أن يوضحوا أن الحد قد تم بلوغه”.
التشخيص واضح لا لبس فيه: إذا تنازلت بروكسل في هذه المناسبة، فإن مصداقية السياسة التجارية المشتركة ستتضرر بشكل خطير. وتخشى كل من فرنسا وألمانيا أيضًا أن يؤدي الرد الفاتر إلى ترسيخ تصور في واشنطن بأن القارة العجوز ستقبل في النهاية أي شروط للحفاظ على وصولها إلى السوق الأمريكية. ولذلك، وبالتوازي مع رسائل التهدئة العلنية، تعمل الفرق الفنية بالفعل على حزمة من الإجراءات المضادة.
الوزن الاقتصادي لتصعيد جديد عبر الأطلسي
النتيجة واضحة: جولة جديدة من الرسوم الجمركية المتبادلة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة سيكون لها تأثير فوري على القطاعات الأكثر عرضة للتصدير، خاصة في ألمانيا. فالسوق الأمريكية تستوعب حوالي 8% من إجمالي الصادرات الألمانية، وهي الوجهة الأولى لصناعة السيارات الفاخرة، والآلات ذات القيمة المضافة العالية، وجزء كبير من القطاع الكيميائي والصيدلاني.
ووفقًا لتقديرات معاهد اقتصادية مختلفة استشارتها الحكومات الأوروبية، فإن زيادة الرسوم الجمركية بنسبة تتراوح بين 10% و25% على المنتجات الرئيسية قد تخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة اليورو بنسبة تتراوح بين 0.3 و0.5 نقطة خلال عامين، وتهدد أكثر من 250 ألف وظيفة مباشرة مرتبطة بالصادرات الصناعية. ويظهر التباين مع مناطق أخرى بشكل مدمر: فبينما تعمل آسيا على تنويع سلاسل إمدادها، تخاطر أوروبا بالوقوع في تبعية مزدوجة للولايات المتحدة في الأمن وللصين في التصنيع.
علاوة على ذلك، فإن عدم اليقين التنظيمي المرتبط بصراع طويل الأمد سيزيد من تكلفة تمويل الشركات ويجمد الاستثمارات في المشاريع طويلة الأجل، من مصانع البطاريات إلى محطات الهيدروجين. وقد يؤدي التأثير المتسلسل على البورصات الأوروبية، وثقة المستهلكين، وسعر صرف اليورو مقابل الدولار إلى تضخيم الضربة الأولية للرسوم الجمركية.
سوابق غير مريحة: من الصلب إلى النبيذ الفرنسي
لا تبدأ أوروبا من الصفر؛ فذاكرة الحرب التجارية على الصلب والألومنيوم عام 2018 لا تزال حاضرة بقوة في بروكسل. حينها، فرضت الإدارة الأمريكية رسومًا إضافية بنسبة 25% و10% على التوالي، متذرعة بأسباب تتعلق بالأمن القومي. وتمثل الرد الأوروبي في فرض رسوم مماثلة على منتجات أمريكية رمزية – مثل الويسكي والدراجات النارية والجينز – بقيمة تقارب 2.8 مليار يورو، مصحوبة بتقديم شكوى إلى منظمة التجارة العالمية.
وقد ترك ذلك الفصل عدة دروس. أولها، أن الاتحاد الأوروبي قادر على تنسيق استجابة سريعة وقوية قانونيًا عندما يرى اعتداءً مباشرًا على صناعته. وثانيها، أن الإجراءات الانتقامية الموجهة للضغط على دوائر انتخابية رئيسية للكونجرس أو البيت الأبيض، لها آثار سياسية ملموسة. وثالثها، أنه حتى في سيناريوهات التوتر القصوى، تسود المنطق الاقتصادي في النهاية: فقد تم تعليق أو إعادة تشكيل جزء كبير من تلك الرسوم بعد أشهر من المفاوضات.
ومع ذلك، فإن النزاع الحالي يقدم جديدًا: البعد الإقليمي لجرينلاند والسعي لفرض شروط على السياسة الداخلية لدولة عضو عبر التهديد بالرسوم الجمركية. وهذا يفسر اللهجة الأكثر حدة من المعتاد لكلينجبيل، وتوافق باريس وبرلين منذ اللحظة الأولى.
أدوات الرد المتاحة للاتحاد الأوروبي
ماذا يمكن للاتحاد الأوروبي أن يفعله حقًا إذا نفذ ترامب تهديده؟ أولاً، يمكنه تفعيل أداة مكافحة الإكراه الاقتصادي، المصممة خصيصًا للرد على الضغوط التجارية التي تسعى لتحقيق أهداف سياسية. تتيح هذه الأداة لبروكسل الموافقة، بأغلبية مؤهلة، على تدابير تتراوح من الرسوم الانتقائية إلى قيود الاستثمار أو الوصول إلى العقود العامة، دون الحاجة إلى الإجماع.
بالتوازي، يمكن للاتحاد الأوروبي إخطار منظمة التجارة العالمية بالرسوم الجديدة وفتح لجنة لتسوية النزاعات، على الرغم من أن تعطيل هيئة الاستئناف فيها يحد من النطاق العملي لهذا المسار. وسيكون التركيز على الإجراءات الانتقامية في القطاعات الحساسة سياسيًا لترامب أكثر فورية، مثل بعض المنتجات الزراعية، وصناعة الغاز الطبيعي المسال، والمشتريات العامة في مجال الدفاع.
المهم هو أنه، على عكس ما كان عليه الحال قبل عقد من الزمان، أدركت الدول السبع والعشرون أن السياسة التجارية هي أيضًا أداة أمنية. وتتعامل المفوضية الأوروبية بالفعل مع سيناريوهات استجابة متدرجة: من حزم انتقامية بقيمة حوالي 5 مليارات يورو إلى تدابير أوسع نطاقًا إذا تصاعدت الرسوم الجمركية. والرسالة التي يراد إيصالها هي أن أوروبا لا تسعى للمواجهة، لكنها مستعدة لاستيعابها.
جرينلاند، المواد الخام الحيوية، والمسارات القطبية
خلف الخطاب والأرقام يكمن تحول عميق في الاقتصاد العالمي: السباق على المواد الخام الحيوية والسيطرة على المسارات البحرية الجديدة. أصبحت جرينلاند، التي لا يتجاوز عدد سكانها 56 ألف نسمة، ساحة تتقاطع فيها مصالح الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين وروسيا. ويفتح ذوبان الجليد المتسارع في القطب الشمالي الباب أمام ممرات ملاحية يمكن أن تقلل أوقات العبور بين آسيا وأوروبا بنسبة تصل إلى 30%، وإلى استغلال رواسب الأتربة النادرة والكوبالت والنيكل الضرورية للانتقال الطاقوي.
وتشك واشنطن في أن أوروبا تبرم اتفاقيات مع كوبنهاجن والسلطات الجرينلاندية تعزز الوجود الأوروبي في البنى التحتية للموانئ أو الكابلات البحرية أو مشاريع التعدين. من جانبها، يسعى بروكسل لتجنب تكرار الاعتماد الحالي على الصين في معالجة المعادن الحيوية في منطقة القطب الشمالي. في هذا السياق، فإن استخدام الرسوم الجمركية كسلاح ضغط لا يقتصر تأثيره على الاقتصاد الفوري، بل يحدد بنية الأمن والإمداد للعقود القادمة.
وبالتالي، فإن أصل التوتر ليس نزاعًا تجاريًا كلاسيكيًا، بل صراعًا حول من سيضع قواعد اللعبة في القطب الشمالي. وهذا يفسر حدة كلمات كلينجبيل وليسكور، وإدراكهما أن أي تنازل في جرينلاند سيُقرأ في عواصم أخرى كعلامة ضعف استراتيجي.
ما تخسره ألمانيا في هذه اللعبة
وضعت ألمانيا نفسها في الخط الأمامي لهذا الصراع لسبب واضح: يعتمد نموذجها الاقتصادي بشكل حاسم على الصادرات الصناعية ذات القيمة المضافة العالية. ويُعد قطاع السيارات وحده داعمًا لحوالي 800 ألف وظيفة مباشرة في البلاد، وتُعد الولايات المتحدة واحدة من أكبر أسواقه خارج الاتحاد. يضاف إلى ذلك تعرض صناعتها الكيميائية والسلع الرأسمالية، التي يمكن أن تحدث رسوم جمركية بنسبة 20% أو 25% فرقًا بين مشروع مربح وآخر غير قابل للتطبيق.
لكن هناك أيضًا بعد سياسي داخلي. فالحكومة الفيدرالية لا تستطيع أن تظهر بمظهر الشريك المتساهل لواشنطن بينما تطلب دول أخرى الحزم. ويضغط التباين مع مناطق أخرى، مثل الصين أو الهند، اللتين ردتا بقوة على الضغوط التجارية الأمريكية، على برلين لتبني لهجة أكثر حزمًا. ومن هنا إصرار كلينجبيل على فكرة أن “الحد قد تم بلوغه” وأن الرد يجب أن يكون “قويًا ومتناسبًا وأوروبيًا”.
وفي الوقت نفسه، تدرك ألمانيا أن انقطاعًا دائمًا مع الولايات المتحدة سيكون قاتلاً لاقتصادها وأمنها. لذلك، تجمع الرسالة بين الحزم والرغبة في الحوار: يجري إعداد إجراءات مضادة، لكن التأكيد يبقى على أن الأولوية هي التوصل إلى حل تفاوضي يحافظ على المحور عبر الأطلسي حيًا.









