اقتصاد

تتبع الدواء في مصر.. خطوة لحصار السوق السوداء

مصر تلاحق مافيا الدواء.. كيف سيغير نظام "التتبع" الرقمي صحة المصريين؟

محررة اقتصادية في منصة النيل نيوز، متخصصة في رصد المؤشرات الاقتصادية وصياغتها بلغة واضحة للجمهور

تتبع الدواء في مصر.. خطوة استراتيجية لحصار السوق السوداء

في خطوة تبدو حاسمة، تتجه مصر نحو تطبيق منظومة تتبع الأدوية، وهو مشروع لا يهدف فقط إلى ضبط الأسواق، بل يمس بشكل مباشر أمن كل أسرة مصرية وصحتها. فكرة أن تعرف مسار كل علبة دواء من المصنع حتى يد المريض لم تعد رفاهية، بل ضرورة ملحة في مواجهة فوضى الأدوية المهربة والمغشوشة.

لماذا الآن؟

يؤكد الدكتور أحمد الساداتي، عضو شعبة أصحاب الصيدليات، أن هذه المنظومة هي بمثابة “جدار حماية” لصحة المواطن. فالهدف، بحسب محللين، يتجاوز الرقابة التقليدية ليصل إلى تفكيك شبكات منظمة تتربح من بيع الوهم والمرض للمصريين. إنها محاولة جادة لإغلاق الباب أمام مافيا الأدوية المغشوشة التي استغلت غياب الرقابة الرقمية لسنوات طويلة.

آلية العمل

ببساطة، ستُمكّن المنظومة الجديدة الجهات الرقابية من متابعة كل عبوة دواء عبر رمز فريد، وهو ما يضمن الشفافية الكاملة ويمنع أي تداول خارج القنوات الرسمية. هذا الإجراء، الذي وصفه الساداتي بـ”المحوري”، يتماشى مع رؤية الدولة للتحول الرقمي والحوكمة الذكية، حيث تصبح التكنولوجيا هي العين الساهرة على قطاع حيوي كالدواء.

تجارب دولية

مصر لا تبدأ من فراغ، بل تستلهم من تجارب دولية ناجحة أثبتت فعاليتها. يبرز هنا عدد من النماذج الرائدة التي يمكن لمصر الاستفادة منها، والتي حولت فكرة التتبع إلى واقع ملموس:

  • السعودية: منظومة “رصد” التي قلصت بشكل كبير تداول الأدوية غير النظامية.
  • الإمارات: منصة “تطمين” التي تعد من الأكثر تطورًا في المنطقة.
  • تركيا: نظام “ITS” الذي يتابع مليارات العبوات سنويًا ويُعتبر قصة نجاح عالمية.
  • الاتحاد الأوروبي: منظومة “EMVS” التي تفرض التحقق من كل عبوة دواء قبل صرفها.

هذه التجارب، كما يشير الساداتي، اعتمدت على نماذج تمويل مبتكرة عبر شراكات بين القطاعين العام والخاص، وهو ما يمكن لمصر تطبيقه لتجاوز أي عقبات مالية.

تحدي التمويل

يبقى السؤال الأهم: من سيتحمل التكلفة؟ يرى خبراء أن الحل يكمن في نموذج هجين يجمع بين مساهمات شركات الأدوية الكبرى، وحوافز ضريبية للملتزمين، والاستفادة من التمويل التنموي الدولي. الاعتماد على شركات تكنولوجيا مصرية قد يكون أيضًا ورقة رابحة لتقليل التكلفة وبناء منظومة وطنية خالصة.

أبعد من مجرد رقابة

يشيد الساداتي بجهود هيئة الدواء المصرية ودعم الحكومة، وهو ما يعكس إدراكًا سياسيًا عميقًا بأن صحة المواطن هي حجر الزاوية في بناء الدولة. يرى مراقبون أن المشروع يتجاوز كونه أداة فنية، ليمثل عقدًا اجتماعيًا جديدًا بين الدولة والمواطن في قطاع الصحة، قوامه الثقة والأمان. إنه استثمار في الإنسان قبل كل شيء.

في المحصلة، لا تبدو منظومة تتبع الدواء مجرد إجراء تقني، بل هي جزء من رؤية أشمل لحماية الأمن الدوائي المصري. إنها خطوة ضرورية لضمان أن الدواء الذي يصل للمواطن هو علاج حقيقي وليس سلعة مغشوشة، وترسيخ لمكانة مصر كقوة إقليمية في صناعة وتداول الدواء الآمن والفعّال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *