الولايات المتحدة تنسحب رسمياً من منظمة الصحة العالمية: تداعيات غير مسبوقة على الصحة العالمية
واشنطن تنهي عضويتها في المنظمة الأممية وسط اتهامات بسوء إدارة كورونا وتحذيرات من خبراء

أنهت الولايات المتحدة، يوم الخميس، إجراءات انسحابها الرسمي من منظمة الصحة العالمية، لتختتم بذلك عملية بدأت قبل عام منظمة أمر تنفيذي من الرئيس السابق دونالد ترامب. تتهم واشنطن الوكالة الأممية بالانحراف عن مهمتها الأساسية والعمل “ضد المصالح الأمريكية” خلال جائحة كوفيد-19. في المقابل، يصف خبراء الأوبئة والصحة واشنطن هذا القرار بأنه “خطأ فادح ومتهور علمياً”، مما يضعف القدرة العالمية على الاستجابة للأوبئة. يأتي هذا الانفصال في وقت لا تزال فيه الولايات المتحدة مدينة للمنظمة بأكثر من 270 مليون دولار من الاشتراكات المستحقة، بينما تواصل منظمة الصحة العالمية تنسيق جهود المراقبة لأمراض مثل الإنفلونزا والإيبولا والتهديدات المعدية الجديدة. يثير هذا التحرك تساؤلاً ملحاً: هل تستطيع واشنطن قيادة الصحة العالمية وهي خارج الإطار التعددي الرئيسي الذي ينظمها؟
انسحاب غير مسبوق من بنية الصحة العالمية
لا يمثل انفصال الولايات المتحدة عن منظمة الصحة العالمية مجرد لفتة رمزية، بل هو سابقة تاريخية؛ إذ إنها المرة الأولى التي تغادر فيها القوة العلمية والصحية الأكبر عالمياً المنظمة المسؤولة عن تنسيق الاستجابة للأوبئة، ووضع المعايير، واعتماد اللقاحات. بدأت هذه العملية قبل عام بالضبط، عندما وقع الرئيس السابق دونالد ترامب الأمر التنفيذي الذي فعّل فترة الإشعار المسبق البالغة اثني عشر شهراً، والتي تشترطها الأمم المتحدة للانسحاب من الوكالة.
على مدى عقود، لم تكن واشنطن مجرد المساهم المالي الأكبر في منظمة الصحة العالمية – حيث كانت تقدم في بعض السنوات أكثر من 15% من إجمالي الميزانية بين الاشتراكات الإلزامية والمساهمات الطوعية – بل كانت أيضاً لاعباً محورياً في فرقها الفنية، من مختبرات مرجعية وشبكات مراقبة وتجارب سريرية وبرامج استئصال الأمراض.
مع هذا الانسحاب، يدخل هذا النظام البيئي مرحلة إعادة تشكيل قسرية. وقد أدرجت منظمة الصحة العالمية بالفعل خروج الولايات المتحدة على جدول أعمال لجنتها التنفيذية القادمة، وسيتعين عليها اتخاذ قرار بشأن مصير البرامج التي كانت الشراكة الأمريكية فيها أساسية. الخطر المباشر هنا مزدوج: موارد أقل وقدرة تقنية مشتركة أضعف، وذلك في وقت يتزايد فيه الضغط لمراقبة الأمراض الحيوانية المنشأ الجديدة، والفيروسات التنفسية، ومسببات الأمراض المقاومة للمضادات الحيوية.
حجة ترامب: منظمة صحة عالمية مسيسة ومعادية للولايات المتحدة
صاغ كل من وزارة الصحة والخدمات الإنسانية (HHS) ووزارة الخارجية رواية واضحة لتبرير هذا الانفصال. ووفقاً لمسؤول رفيع في وزارة الصحة، فإن منظمة الصحة العالمية “انحرفت عن مهمتها الأساسية” وتصرفت “بشكل يتعارض مع مصالح الولايات المتحدة” في مناسبات عديدة. تركز الانتقادات بشكل خاص على إدارة المنظمة لجائحة كوفيد-19:
- تتهم المنظمة بتأخير إعلان حالة الطوارئ الصحية العامة الدولية، الأمر الذي يُزعم أنه سمح بانتشار أسرع للفيروس.
- تُلام منظمة الصحة العالمية على “انتقادها غير العادل” لقرارات البيت الأبيض، مثل الإغلاق المبكر للحدود أمام دول معينة.
- تُثار تساؤلات حول نفوذ الصين، التي تتهمها واشنطن بتقديم أموال أقل من الولايات المتحدة، بينما تتمتع، في رأيها، بهامش سياسي أكبر داخل الوكالة.
تضيف الإدارة الأمريكية مظلمة رمزية أخرى: لم يتولَّ أي مدير عام أمريكي قيادة منظمة الصحة العالمية قط، على الرغم من المساهمات المالية الضخمة لواشنطن منذ عام 1948. وينتهي الخطاب بتقديم الانسحاب كفعل “لاستعادة السيادة” ورفض للبيروقراطية الدولية التي تُعتبر منحازة.
لكن هذا الطرح يتجاهل حقيقة جوهرية يؤكدها علماء الأوبئة: فبعيداً عن السياسة، تُعد منظمة الصحة العالمية، في المقام الأول، بنية تحتية تقنية مشتركة – تضم مختبرات وقواعد بيانات وخبراء – لا يمكن لأي دولة، مهما بلغت قوتها، التنبؤ بتهديدات معينة أو احتوائها بدونها.
الفاتورة المعلقة: 270 مليون دولار وثقل المال
بعيداً عن البعد السياسي، يخلف هذا الانسحاب نزاعاً مالياً كبيراً. فوفقاً للأمم المتحدة، تدين الولايات المتحدة لمنظمة الصحة العالمية بأكثر من 270 مليون دولار عن الفترة 2024-2025. وتؤكد وزارة الصحة والخدمات الإنسانية أن واشنطن غير ملزمة بدفع هذا المبلغ بموجب دستور الوكالة، الذي اعتمد عام 1948. لكن، وراء التفاصيل القانونية الدقيقة، تكمن رسالة لبقية الدول مفادها أن أكبر مساهم تاريخي يغادر المنظمة دون تسوية حسابه بالكامل.
بالنسبة لمنظمة الصحة العالمية، فإن خسارة مانح بهذا الحجم فجأة تعني تقليص أو إعادة جدولة أو البحث عن بدائل لعدد كبير من المشاريع؛ بدءاً من حملات التطعيم في البلدان منخفضة الدخل وصولاً إلى برامج مراقبة الإنفلونزا أو السل. قد تحاول جهات فاعلة أخرى – مثل الاتحاد الأوروبي، وبعض دول مجموعة السبع، والمؤسسات الخيرية الخاصة – سد جزء من الفجوة، لكن من غير الواضح ما إذا كانت ستتمكن من القيام بذلك بنفس السرعة والاستقرار.
علاوة على ذلك، هناك عامل قوة لا يمكن إغفاله: من يمول، يؤثر. بالتخلي عن هذا الثقل المالي، تُقصي الولايات المتحدة نفسها من جزء من مساحة اتخاذ القرار، مما يترك مجالاً للصين أو الهند أو التكتلات الإقليمية لتعزيز صوتها في تحديد المعايير وأولويات البحث وبروتوكولات الطوارئ.
ماذا تخسر واشنطن: بيانات، إنذار مبكر، وقدرة على التأثير
يتفق خبراء الصحة العامة على أن الانسحاب لا يضر الأطراف الأخرى فحسب، بل يضر الولايات المتحدة نفسها. “الجراثيم لا تحترم الحدود”، هكذا ذكّر رونالد نهاس، رئيس الجمعية الأمريكية للأمراض المعدية، في تصريحات لشبكة ABC. فبدون وجود كامل في منظمة الصحة العالمية، ستجد واشنطن مشاركتها المباشرة محدودة في شبكات المراقبة العالمية للأمراض الناشئة.
من أوضح الأمثلة على ذلك العملية السنوية لاختيار سلالات الإنفلونزا لتصميم اللقاح. تقليدياً، لعبت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) ومختبرات أمريكية أخرى دوراً محورياً في تحليل العينات واتخاذ القرار بشأن أي المتغيرات يجب إعطاؤها الأولوية. مع هذا الانسحاب، أصبحت مشاركة الولايات المتحدة في هذا الاجتماع – المقرر عقده الشهر المقبل – في مهب الريح.
إضافة إلى ذلك، يعني التخلي عن المقعد الرسمي داخل منظمة الصحة العالمية فقدان جزء من القدرة على تحديد الأجندة في قضايا مثل مقاومة مضادات الميكروبات، وأمن المختبرات، أو البروتوكولات لمواجهة تفشي الإيبولا. ستظل واشنطن قادرة على إبداء الرأي والتحرك، لكن ليس من داخل الطاولة الرئيسية التي تتخذ فيها هذه القرارات.
مخاطر على الأوبئة والإنفلونزا وتهديدات مثل الإيبولا
يصف النقاد هذا الانسحاب بأنه “متهور علمياً” ويشددون على أنه يتجاهل حقيقة أساسية: التاريخ الطبيعي للأمراض المعدية. فالفيروسات والبكتيريا والطفيليات تنتقل بسهولة يصعب على اللوجستيات البشرية محاكاتها. وقد أثبتت السنوات العشرون الماضية، من السارس الأصلي إلى الإيبولا وزيكا، أن أي نظام صحي وطني لا يمكن أن يكون مكتفياً ذاتياً.
حذر نهاس من أن الانسحاب سيعيق مراقبة التهديدات الناشئة، مشيراً بشكل خاص إلى الإيبولا والإنفلونزا الموسمية، التي تحصد سنوياً مئات الآلاف من الأرواح عالمياً. فبدون الوصول الكامل إلى قنوات تبادل البيانات والعينات التابعة لمنظمة الصحة العالمية، يصبح تعديل تركيبة اللقاحات أو التنبؤ بالتحورات الخطيرة أكثر تعقيداً.
يكمن الخطر في أنه، عند ظهور التهديد الكبير التالي – سواء كان فيروس كورونا جديداً، أو إنفلونزا الطيور متكيفة مع البشر، أو مسبباً للأمراض غير معروف بعد – ستكون للولايات المتحدة رؤية مبكرة أقل وقدرة أضعف على التأثير في الاستجابة المنسقة. وفي غضون ذلك، سيتعين على بقية العالم إعادة تنظيم آليات التعاون الخاصة به دون الشريك التقني الرئيسي الذي كان يعتمد عليه حتى الآن.
خطة وزارة الصحة والخدمات الإنسانية البديلة: الثنائية وشبكات خاصة وأكثر من 2000 موظف بالخارج
تسعى إدارة ترامب لمواجهة هذه الانتقادات من خلال وصف خطة بديلة. فقد أكد مسؤول رفيع في وزارة الصحة والخدمات الإنسانية أن الولايات المتحدة ستظل “رائدة في الصحة العالمية”، مشيراً إلى أن الوزارة لديها بالفعل أكثر من 2000 موظف في 63 دولة، بالإضافة إلى اتفاقيات ثنائية مع مئات الحكومات.
تتمثل الاستراتيجية في تعزيز هذه الشبكات الموازية لتغطية ثلاث وظائف رئيسية:
- مراقبة التهديدات المعدية الجديدة.
- التشخيص والمختبرات في البيئات منخفضة الموارد.
- الاستجابة لتفشي الأمراض عبر فرق الطوارئ والمساعدة الفنية.
عملياً، يعني هذا التحول نحو الثنائية والتحالفات المخصصة، بدلاً من التعددية المؤسسية التي تمثلها منظمة الصحة العالمية. لكن المشكلة، كما يحذر الخبراء، هي أن مجموعة من الاتفاقيات المتفرقة لا يمكن أن تحل محل منظمة ذات قواعد وجمعيات وإجراءات مشتركة بشكل كامل. وعلى المدى المتوسط، قد يؤدي هذا التفتت إلى ازدواجية في الجهود، وثغرات في التغطية، وتنافس بين الشبكات، وهو تماماً عكس ما هو مطلوب في أزمة عالمية.
هل هناك طريق للعودة؟ سيناريوهات سياسية ومساحة للمناورة
حتى الآن، تؤكد وزارة الصحة والخدمات الإنسانية عدم وجود خطط لإعادة الانضمام إلى منظمة الصحة العالمية، ولا حتى بصفة مراقب. تسعى هذه الرسالة إلى ترسيخ القرار كجزء من عقيدة أمريكية جديدة تتسم بالريبة تجاه بعض المنظمات الدولية. لكن الواقع السياسي، في المقابل، أكثر تعقيداً.
يأتي هذا الانسحاب في سياق استقطاب داخلي حاد في الولايات المتحدة، وقد تعيد إدارات مستقبلية ذات رؤية مختلفة للتعددية النظر فيه. توجد سوابق لذلك في اتفاقيات دولية أخرى – مثل المناخ والتجارة – انسحبت منها واشنطن ثم عادت إليها تحت رئاسة جديدة. لكن التكلفة، في جميع الأحوال، تراكمية: فكل ذهاب وإياب يؤدي إلى تآكل المصداقية على المدى الطويل ويجبر على إعادة بناء التحالفات على أرضية تزداد هشاشة.
في غضون ذلك، تواجه منظمة الصحة العالمية اختباراً حقيقياً: إثبات قدرتها على إعادة تنظيم تمويلها، وتعزيز استقلاليتها، ومواصلة تنسيق الاستجابات العالمية دون شريكها التاريخي الأكثر تأثيراً. إذا نجحت في ذلك، سيكون الضرر في الغالب على هيبة ونفوذ الولايات المتحدة. أما إذا أخفقت، فسيُقاس الثمن بشيء أكثر واقعية: أرواح وفرص ضائعة في الأزمة الصحية الكبرى القادمة.









