صحة

القلق والوسواس القهري.. خيط رفيع يفصل بين الانفعال الطبيعي والاضطراب المرضي

متى تتحول المخاوف إلى طقوس قهرية تستوجب العلاج؟

صحفية في قسم الصحة بمنصة النيل نيوز، تتابع الأخبار الطبية وتنقلها للجمهور بلغة واضحة

القلق في أصله ليس مرضاً نفسياً، بل هو مجرد انفعال تكيفي طبيعي. هو ذلك المحرك التلقائي الذي يدفعك للقفز بعيداً حين تلمح غصن شجرة وتظنه أفعى، أو تلك الرعشة في اليدين قبل موعد غرامي أو عرض تقديمي مهم. لكن الأمور تتعقد حين يتحول هذا الشعور إلى عائق دائم يمنعك من ممارسة حياتك؛ هنا فقط نتحدث عن اضطراب القلق الذي يصيب واحداً من كل ثلاثة أشخاص في مرحلة ما من حياتهم.

الوسواس القهري (OCD) يختلف، رغم أنه يتغذى على القلق. في الأدلة التشخيصية الحديثة، يُصنف كاضطراب مستقل. المصاب به يعاني من هواجس (أفكار أو صور ملحة وغير مرغوبة) واندفاعات قهرية، وهي طقوس يجد نفسه مضطراً لتكرارها لتخفيف حدة الانزعاج. غسل اليدين المفرط، أو التأكد من إغلاق الموقد مراراً، أو حتى طقوس ذهنية صامتة مثل عد الأرقام وتكرار الجمل.

نحو نصف إلى ثلاثة أرباع المصابين بالوسواس القهري يعانون أيضاً من اضطراب قلق واحد على الأقل. التداخل كبير، لكن التشخيص الدقيق يغير مسار العلاج بالكامل.

العلاج السلوكي المعرفي (CBT) هو السلاح الأساسي لمواجهة الحالتين، لكن للوسواس القهري نسخة متخصصة تسمى “التعرض ومنع الاستجابة” (ERP). باختصار: وضع المريض في مواجهة ما يخيفه مع منعه من ممارسة طقوسه المعتادة. مع الوقت، يكتشف الدماغ أن الكارثة المتوقعة لم تحدث، وأن القلق يتلاشى من تلقاء نفسه دون الحاجة للطقوس القهرية.

الأدوية المضادة للاكتئاب، وتحديداً مثبطات استرداد السيروتونين (SSRIs)، أثبتت فاعلية كبيرة. الدمج بين الدواء والجلسات النفسية هو الطريق الأقصر للتعافي، خاصة في الحالات الشديدة التي تستهلك ساعات طويلة من يوم المريض.

وسائل التواصل الاجتماعي تضج الآن بمحتوى “التشخيص الذاتي”، وهو ما يراه الأطباء سلاحاً ذا حدين. صحيح أن الوعي زاد، لكن الخلط بين السمات الشخصية (مثل حب النظام) وبين الاضطراب الحقيقي الذي يدمر جودة الحياة لا يزال قائماً. التشخيص لا يتم عبر شاشة الهاتف، بل من خلال متخصص يستطيع التمييز بين القلق العام وبين الوساوس التي قد تكون مخفية أو يمارسها المريض ذهنياً بدافع الخجل.

مقالات ذات صلة