الصين والمعادن النادرة: بكين تسعى لتهدئة المخاوف العالمية
تحليل لجهود الصين لطمأنة الشركات الأجنبية بشأن قيود المعادن النادرة وسط تصاعد التوترات التجارية وتأثيرها على سلاسل التوريد

في خطوة غير معتادة، عقدت الصين اجتماعًا موسعًا مع شركات أجنبية لطمأنتها بشأن قيود المعادن النادرة الجديدة على صادراتها. تأتي هذه المساعي الدبلوماسية في ظل تصاعد التوترات التجارية العالمية، ومخاوف متزايدة من تأثير هذه الإجراءات على سلاسل التوريد الحيوية.
عقدت بكين اجتماعًا موسعًا وغير مألوف مع ممثلي أكثر من 170 شركة وغرفة تجارة أجنبية، في محاولة واضحة لتهدئة المخاوف المتزايدة حول قيود المعادن النادرة. أكد نائب وزير التجارة الصيني، لينغ جي، أن هذه الضوابط تمثل “إجراءً مسؤولاً” يهدف إلى حماية السلام والاستقرار العالميين، مشددًا على التزام الصين بالموافقة على المعاملات المشروعة لضمان استقرار سلاسل التوريد.
تأتي هذه المساعي لتوضيح آلية تطبيق سياسات بكين التصديرية الجديدة، والتي فرضت ضوابط أكثر صرامة على شحنات المعادن النادرة ومواد حيوية أخرى. هذا الإعلان، الصادر هذا الشهر، ساهم في تصعيد التوترات بين الصين والولايات المتحدة، ويهدد بانتهاء الهدنة التجارية بين البلدين بحلول العاشر من نوفمبر ما لم يتم تمديدها.
الصراع على الموارد الاستراتيجية
لم تكن قيود الصين على الصادرات بمعزل عن التطورات الجيوسياسية، حيث جاءت بعد توسيع واشنطن لبعض قيودها التكنولوجية واقتراحها فرض رسوم على السفن الصينية. هذا التصعيد دفع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، للرد بإعلان عزمه فرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 100% على السلع الصينية، بالإضافة إلى قيود على تصدير “أي وجميع البرمجيات الحيوية” اعتبارًا من الأول من نوفمبر. هذه الدوامة من الإجراءات المتبادلة تعكس تزايد حدة المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية بين القوتين العظميين.
أثارت الضوابط الصينية الجديدة قلقًا واسعًا لدى الحكومات حول العالم، ما دفعها إلى سباق محموم لتأمين مصادر إمداد بديلة للمواد الخام الحيوية. في هذا السياق، وقع الرئيس الأمريكي، ترامب، اتفاقًا تاريخيًا مع رئيس الوزراء الأسترالي، أنتوني ألبانيز، لتعزيز وصول الولايات المتحدة إلى المعادن النادرة والمعادن الحيوية الأخرى. بالتوازي، أكد ترامب المضي قدمًا في تنفيذ اتفاق “أوكوس” (Aukus) بين الولايات المتحدة وأستراليا والمملكة المتحدة، الذي يهدف إلى مواجهة النفوذ العسكري والاقتصادي المتزايد لبكين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
أزمة الرقائق: جبهة جديدة في الحرب التجارية
على صعيد آخر، أجرى وزير التجارة الصيني، وانغ وينتاو، اتصالًا هاتفيًا بنظيره الهولندي، فنسنت كاريمانز، محذرًا من أن استحواذ هولندا على شركة “نيكسبيريا” (Nexperia) الصينية لصناعة الرقائق الإلكترونية قد “أثر بشكل خطير” على استقرار سلاسل التوريد العالمية. ردت الحكومة الهولندية بتأكيد استمرارها في التواصل مع السلطات الصينية للعمل “نحو حل بناء”، في إشارة إلى تعقيد الموقف وحساسيته على الصعيد الاقتصادي والسياسي.
هذا الاتصال جاء بعد أسبوع من قرار هولندا الاستحواذ على “نيكسبيريا” بموجب قانون طوارئ يعود لحقبة الحرب الباردة، في خطوة تعكس مخاوف أمنية عميقة. تعد “نيكسبيريا”، التابعة لمجموعة “وينغتك تكنولوجي” الصينية، موردًا رئيسيًا للرقائق الإلكترونية المتطورة لقطاعي السيارات والإلكترونيات الاستهلاكية، ما يجعلها ذات أهمية استراتيجية. سيطرت الحكومة الهولندية على الشركة بعد تحذيرات أمريكية في يونيو، اشترطت استبدال رئيسها التنفيذي، تشانغ شيويتشنغ، لإعفائها من قائمة العقوبات، وذلك بعد إدراج “وينغتك” على قائمة الكيانات الأمريكية عام 2024 بسبب مخاوف من عدم استقلالية “نيكسبيريا” عن شركتها الأم.
أدت هذه التطورات إلى تصاعد حاد في التوترات التجارية بين أوروبا وبكين، التي ردت بمنع “نيكسبيريا” من تصدير منتجاتها من مصنعها داخل الصين. يستعد قطاع السيارات الأوروبي الآن لمواجهة اضطرابات كبيرة في الإنتاج، نتيجة لضوابط التصدير الصينية على أشباه الموصلات التي تنتجها “نيكسبيريا”، وفقًا لما نقلته بلومبرغ نيوز عن مصادر مطلعة. من المتوقع أن يؤثر نقص الرقائق الإلكترونية على الموردين الرئيسيين خلال أسبوع واحد، وقد يمتد تأثير الأزمة ليشمل القطاع بأكمله في غضون 10 إلى 20 يومًا، مما يبرز هشاشة سلاسل التوريد العالمية.






